حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الخميس ,19 فبراير, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 9256

صالح العمري يكتب: أفكار تربوية .. التعليم من الحفظ إلى المعنى

صالح العمري يكتب: أفكار تربوية .. التعليم من الحفظ إلى المعنى

صالح العمري يكتب: أفكار تربوية ..  التعليم من الحفظ إلى المعنى

28-10-2025 02:10 PM

تعديل حجم الخط:

بقلم : صالح " محمد أمين" العمري
في عالم يتغير بسرعة مذهلة، حيث المعلومات متاحة بضغطة زر، والوظائف التقليدية تتلاشى، والتحديات تتعاظم - أصبح السؤال ملحاً: ما الذي يجب أن نعلمه لأطفالنا؟ هل يكفي أن نملأ عقولهم بالمعلومات والصيغ والتواريخ؟ أم أن هناك شيئاً أعمق، شيئاً أكثر جوهرية، يحتاجون إليه ليواجهوا حياتهم بشجاعة ووعي؟
ربما حان الوقت لإعادة التفكير فيما يعنيه التعليم حقاً. ليس فقط كنقل للمعرفة، بل كرحلة لاكتشاف الذات، وبناء المعنى، وتعلم الحرية والمسؤولية. تعليم لا يصنع نسخاً متشابهة، بل أفراداً واعين، مستقلين، قادرين على مواجهة تعقيدات الحياة وخلق طريقهم الخاص.
لنستكشف رؤية مختلفة للتربية والتعليم - رؤية تضع الإنسان في المركز، لا المنهج؛ فيها المعنى قبل الدرجات؛ رؤية تسأل: كيف نربي جيلاً لا يخاف من الحرية، ولا يهرب من المسؤولية، ولا يستسلم للسهولة؟ جيلاً يعرف كيف يعيش......
1- الطالب ذات حرة، وليس موضوعاً للتشكيل
الفكرة: كل إنسان ذات حرة تشكل نفسها، وليس موضوعاً يُشكّل من الخارج.
التعليم التقليدي:
• الطالب وعاء فارغ يُملأ بالمعلومات
• المعلم يشكّل الطالب وفق قالب محدد
• الهدف: إنتاج نسخ متشابهة تناسب المجتمع
التعليم للمستقبل:
• الطالب شريك نشط في تعلمه
• المعلم ميسّر يساعد الطالب على اكتشاف نفسه
• الهدف: تطوير أفراد أصيلين، مستقلين، واعين
التطبيق العملي:
بدلاً من: "يجب أن تدرس الطب لأن عائلتك من الأطباء"
قل: "ما الذي يثير شغفك؟ ما المجال الذي تشعر أنه يعبّر عن ذاتك الحقيقية؟ أنت حر في اختيار طريقك، وأنا هنا لأدعمك في استكشاف خياراتك"
2- التركيز على المعنى، ليس المعلومات فقط
الفكرة: الحياة تتطلب خلق المعنى، والتعليم يجب أن يساعد الطلاب على إيجاد معنى في تعلمهم.
التعليم التقليدي:
الطلاب يسألون: "لماذا ندرس هذا؟ ما فائدته؟"
والجواب عادة: "لأنه في المنهج" أو "لأنك ستحتاجه في الامتحان"
هذا يجعل التعليم بلا معنى - مجرد طقوس يجب إتمامها.
التعليم للمستقبل:
اربط كل موضوع بالأسئلة الكبرى:
الرياضيات:
• ليست فقط أرقام، بل طريقة لفهم الأنماط في الكون
• تعلم حل المشكلات المعقدة يعلمك كيف تواجه مشاكل الحياة
• "كيف يساعدك التفكير الرياضي على اتخاذ قرارات أفضل في حياتك؟"
التاريخ:
• ليس مجرد حفظ تواريخ، بل فهم خيارات البشر وعواقبها
• "ماذا كنت ستفعل لو كنت في موقف هذا القائد؟"
• "كيف شكلت اختيارات هؤلاء الناس مصير أمم؟"
• "ما الدروس عن الحرية والمسؤولية نتعلمها من التاريخ؟"
العلوم:
• ليست فقط حقائق، بل طريقة للتساؤل والبحث عن الحقيقة
• "ما معنى أن نكون جزءاً من هذا الكون الواسع؟"
• "كيف يغير العلم فهمنا لمن نحن؟"
الأدب:
• استكشاف التجربة الإنسانية، المعاناة، البحث عن المعنى
• "كيف واجه هذا الشخص معضلته ؟
• ماذا تتعلم عن حياتك من هذه القصة؟
3- تعليم المسؤولية والحرية
الفكرة: الحرية، والمسؤولية، وجهان لعملة واحدة.
كيف نطبق هذا؟
منح الطلاب خيارات حقيقية (ثم تحمل نتائجها)
في الواجبات:
• بدلاً من واجب واحد إلزامي، قدم خيارات: "يمكنك كتابة مقال، أو عمل عرض تقديمي، أو إنشاء فيديو، أو مشروع فني"
• كل خيار له متطلبات ومعايير واضحة
• الطالب يختار ما يناسب أسلوبه - وبذلك يتعلم الاختيار والمسؤولية
في السلوك:
• بدلاً من: "لا تفعل هذا لأنني أريد ذلك"
• قل: "أنت حر في اختياراتك، لكن كل اختيار له عواقب. ما العواقب المحتملة لهذا الاختيار؟ هل أنت مستعد لتحملها؟"
مثال:
طالب لا يريد أن يدرس لامتحان مهم.
التعليم التقليدي: الإجبار، العقاب، التهديد
التعليم للمستقبل: "أنت حر في أن تدرس أو لا تدرس. هذا اختيارك. لكن دعنا نفكر معاً: ما النتائج المحتملة لكل خيار؟ إذا اخترت عدم الدراسة، ما الذي قد يحدث؟ هل أنت مستعد لتحمل هذه النتائج؟ أنا أحترم حريتك في الاختيار، لكن لا يمكنني أن أحميك من عواقب اختياراتك."
هذا يعلم المسؤولية الحقيقية - ليس الخوف من العقاب، بل فهم أن اختياراتك تشكل حياتك.
4- التعامل مع القلق والفشل
الفكرة: القلق والفشل جزء من الحالة الإنسانية، وليسا شيئاً يجب تجنبه بأي ثمن.
المشكلة الحالية
التعليم الحديث يحاول "حماية" الطلاب من:
• القلق ( تقليل الضغط إلى الصفر)
• الفشل (منح الجميع "جوائز مشاركة")
• التحديات (تسهيل كل شيء)
النتيجة: جيل غير قادر على مواجهة الصعوبات، يخاف من الفشل، ويتجنب التحديات.
التعليم للمستقبل:
قبول القلق كجزء من النمو:
"من الطبيعي أن تشعر بالقلق قبل الامتحان، أو عند تجربة شيء جديد. هذا القلق ليس عدواً - إنه علامة على أنك تخرج من منطقة الراحة، وهنا حيث يحدث النمو الحقيقي."
إعادة صياغة الفشل:
"الفشل ليس نهاية القصة، بل معلومة.
عندما تفشل، أنت تتعلم شيئاً عن نفسك، عن العالم، عما يعمل وما لا يعمل. كل شخص ناجح فشل مرات عديدة - الفرق أنهم اختاروا أن يستمروا رغم الفشل."
تمرين عملي: "سجل الفشل"
• اطلب من الطلاب الاحتفاظ بسجل لـ"فشلهم"
• بعد كل فشل، يكتبون:
o ما الذي حدث؟
o ماذا تعلمت؟
o ما الذي سأفعله بشكل مختلف؟
o كيف أشعر تجاه هذه التجربة الآن؟
هذا يحول الفشل من كارثة إلى فرصة للتعلم.
5- التعليم الحواري
الفكرة: العلاقة الأصيلة هي علاقة "أنا-أنت"، ليست "أنا-هو"
أنا-هو: تتعامل مع الشخص كموضوع، كوسيلة لهدف.
أنا-أنت: تتعامل معه كذات حرة، تحترم فرادته وحريته.
في الصف الدراسي
التعليم التقليدي: علاقة "أنا-هو"
• المعلم يلقي المعلومات، الطالب يستقبلها
• الطالب "موضوع" للتعليم
• التواصل أحادي الاتجاه
التعليم للمستقبل: علاقة "أنا-أنت"
• المعلم والطالب في حوار حقيقي
• كل منهما يتعلم من الآخر
• احترام متبادل لآراء وأفكار ومشاعر كل منهما
التطبيق العملي
الحوار السقراطي:
بدلاً من: "هذه هي الحقيقة، احفظوها"
استخدم:
• "ما رأيك في هذا؟"
• "لماذا تعتقد ذلك؟"
• "هل يمكن أن يكون هناك منظور آخر؟"
• "كيف وصلت لهذا الاستنتاج؟"
6- التعليم الشخصي
الفكرة: كل إنسان فريد، يواجه حياته بطريقة فريدة، ويخلق معناه الخاص.
المشكلة في التعليم الجماعي
النظام الحالي يعامل كل الطلاب كأنهم متشابهون:
• نفس المنهج
• نفس السرعة
• نفس طريقة التقييم
• نفس التوقعات
التعليم للمستقبل:
التعرف على فردية كل طالب:
"من أنت؟ ما اهتماماتك؟ ما نقاط قوتك؟ ما تحدياتك؟ ما أحلامك؟"
خطط تعلم فردية:
بدلاً من منهج صارم واحد، ساعد كل طالب على بناء خطة تعلم شخصية:
• ما الذي يريد أن يتعلمه؟
• لماذا (المعنى الشخصي)؟
• كيف (الطريقة التي تناسبه)؟
• متى وبأي سرعة؟
مثال:
طالبان يدرسان التاريخ:
الطالب أ: مهتم بالاستراتيجية العسكرية
• خطته: التركيز على المعارك التاريخية الكبرى
• مشروعه: تحليل استراتيجيات قادة عسكريين عظماء
• طريقته: قراءة، محاكاة ألعاب استراتيجية
الطالب ب: مهتم بالحركات الاجتماعية
• خطته: التركيز على ثورات وحركات التغيير
• مشروعه: دراسة كيف غيّرت الحركات الاجتماعية المجتمعات
• طريقته: مقابلات، أفلام وثائقية، زيارات ميدانية
كلاهما يدرس التاريخ، لكن كل بطريقته التي تناسب معناه الشخصي.
7- تعليم الاختيار
الفكرة: يجب أن نتعلم كيف نختار ونتصرف رغم ذلك.
في الصف الدراسي
معضلات أخلاقية معقدة:
اطرح سيناريوهات حيث لا يوجد جواب "صحيح" واضح:
"أنت قبطان سفينة تتعرض للغرق، ولديك قارب نجاة يتسع لـ10 أشخاص، لكن على السفينة 15 شخصاً. من تختار؟ كيف تختار؟"
"صديقك سرق شيئاً ثميناً، لكنه يحتاج المال لعلاج والدته المريضة. هل تبلغ عنه؟"
الهدف:
• تعلم أن الحياة ليست دائماً بسيطة
• تطوير القدرة على التفكير الأخلاقي المعقد
• فهم أن الاختيار صعب لكنه ضروري
• تحمل مسؤولية الاختيارات حتى عندما تكون صعبة
تمرين "مشروع الحياة"
اطلب من الطلاب (خاصة الأكبر سناً):
1. تخيل نفسك بعد 10 سنوات: من أنت؟ ماذا تفعل؟ ما القيم التي تعيش وفقها؟
2. اكتب "بيان شخصي": ما معنى الحياة بالنسبة لك؟ ما الذي يجعل حياتك تستحق العيش؟
3. حدد خطوات عملية: ما الذي يجب أن تفعله الآن للوصول لتلك الحياة؟
4. راجع وأعد التقييم: كل فترة، راجع خطتك - هل تغيرت؟ هل لا تزال هذه الحياة التي تريدها؟
هذا يعلم التخطيط للمستقبل - أن تعيش بوعي ونية، وأن تكون مرناً في مواجهة التغيير.
8- دور المعلم المستقبلي
الفكرة: ليس ناقلاً للمعرفة، بل رفيق رحلة
أصيل في ذاته:
• يشارك شكوكه، أسئلته، رحلته الخاصة
• لا يتظاهر بأنه يعرف كل شيء
• يعترف عندما لا يعرف الإجابة
• يقول: "هذا سؤال رائع، دعنا نستكشفه معاً"
يحترم حرية الطالب:
• لا يفرض قيمه أو معتقداته
• يقدم منظورات متعددة
• يشجع التفكير المستقل
• يقبل أن الطالب قد يختار طريقاً مختلفاً
يواجه الطالب بالحقيقة (بلطف):
• عندما يرى الطالب يعيش بـ "سوء نية" (يخدع نفسه)
• عندما يهرب الطالب من المسؤولية
• عندما يختار الطالب السهولة على الأصالة
يخلق "مساحة آمنة" للاستكشاف:
• حيث يمكن طرح الأسئلة الصعبة
• حيث الشك والقلق مقبولان
• حيث الفشل فرصة للتعلم
• حيث كل صوت محترم
9- . تقييم حقيقي
المشكلة في الاختبارات التقليدية
الاختبارات الحالية تقيس:
• حفظ المعلومات
• القدرة على تكرار ما قيل
• مهارات ضيقة ومحددة
لا تقيس:
• النمو الشخصي
• تطور الوعي الذاتي
• القدرة على التفكير النقدي العميق
• الأصالة والشجاعة
البديل:
التقييم الذاتي: "كيف تقيّم نموك هذا الفصل؟ ما الذي تعلمته عن نفسك؟ ما التحديات التي واجهتها؟ كيف تجاوزتها؟"
ملفات النمو الشخصي (Portfolios):
• مجموعة من الأعمال تُظهر رحلة التعلم، ليس فقط النتيجة النهائية
• تشمل: أعمالاً مبكرة (حتى "الفاشلة")، تأملات، محاولات متكررة
• تُظهر العملية والنمو
المشاريع المبنية على المعنى: بدلاً من اختبار، مشروع يتطلب:
• اختيار موضوع ذي معنى شخصي
• بحث عميق ومستقل
• تطبيق عملي
• تأمل فيما تعلمه عن نفسه وعن العالم
مثال: "ابحث بعمق عن قضية اجتماعية تهتم بها. ادرسها، افهم أبعادها، ثم صمم مشروعاً عملياً يمكنك من خلاله المساهمة في حلها. وثّق رحلتك: ماذا اكتشفت؟ كيف تغيرت؟ ما التحديات؟ ما معنى هذا بالنسبة لك؟"
10- تحديات التطبيق (ويجب أن نكون واقعيين)
التحديات الواقعية
أنظمة تعليمية صارمة:
• مناهج محددة مسبقاً
• اختبارات موحدة
• جداول زمنية صارمة
ضغوط خارجية:
• توقعات الأهل
• متطلبات القبول الجامعي
• سوق العمل
ثقافة تقدّر النتائج على العملية:
• الدرجات أهم من التعلم
• الشهادة أهم من المعرفة
كيف نبدأ؟ (خطوات عملية)
لا تحتاج لتغيير كل شيء دفعة واحدة. ابدأ صغيراً:
للمعلم:
1. ابدأ بنفسك: كن أصيلاً، واعياً، مسؤولاً.
2. خصص وقتاً للحوار: حتى 15 دقيقة أسبوعياً للمناقشات الفلسفية.
3. اطرح أسئلة كبرى: "لماذا نتعلم هذا؟ ما علاقته بحياتكم؟ كيف يساعدكم على فهم أنفسكم؟"
4. امنح خيارات صغيرة: حتى خيارات بسيطة (طريقة تقديم الواجب مثلاً) تعلم الحرية والمسؤولية.
5. احتفل بالفشل: شارك فشلك الخاص، واجعل الفشل جزءاً مقبولاً من التعلم.
للوالدين:
1. استمع حقاً: اسأل طفلك "كيف تشعر؟ ما رأيك؟" واستمع بدون حكم.
2. دع الطفل يختار (ويفشل): امنحه مساحة للاختيار، ودعه يتعلم من عواقب اختياراته.
3. لا تفرض أحلامك: ساعد طفلك على اكتشاف أحلامه، لا تحقيق أحلامك.
4. شجّع الأسئلة، حتى الصعبة: "لماذا نعيش؟" "ما معنى الموت؟" - هذه أسئلة مهمة، لا تتجنبها.
5. كن نموذجاً للأصالة: عش حياة أصيلة، يراك طفلك تتخذ قرارات صعبة، تواجه مخاوفك، تعيش وفقاً لقيمك.
خلاصة:
تخيل مدرسة أو بيتاً حيث:
• كل طفل يُرى كفرد فريد بإمكانياته الخاصة
• التعلم مرتبط بمعنى شخصي عميق
• الفشل فرصة، ليس كارثة
• الأسئلة الكبرى مُرحّب بها
• الحرية والمسؤولية يُمارسان يومياً
• المعلم رفيق رحلة، ليس سلطة مطلقة
• كل يوم فرصة لاكتشاف الذات وخلق المعنى








طباعة
  • المشاهدات: 9256
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
28-10-2025 02:10 PM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك، هل تطيح فضائح إبستين بقادة غربيين؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم