حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
انت الزائر رقم: 8418108 الأحد ,20 أبريل, 2014 م يوجد الآن عدد (4887) زائر

كيف نجعل القراءة عادة محببة لدى الأطفال؟

كيف نجعل القراءة عادة محببة لدى الأطفال؟

كيف نجعل القراءة عادة محببة لدى الأطفال؟

07-12-2013 09:24 AM

تعديل حجم الخط:

بقلم : الدكتور شفيق علقم
لنتفق أولا على تعريف للأنسان القارىء، هل هو ذاك الذي يكتسب المعرفة والمهارات في القراءة والكتابة ؟ والذي تمكنه معرفته لتوظيفها في النشاطات الثقافية المتداولة في وسطه الاجتماعي؟أم هو الذي يستفيد من المعلومات المطبوعة والمكتوبة ليوظفها في مجتمعه؛ ليحقق بها أهدافه ويطور معرفته وامكانياته ؟ أم هو الذي يمتلك ثروة لغوية واسعة ، والقادر على مطالعة ألوان متعددة من العلوم والفنون، ويكيف سرعته فيها لأغراضه منها؟
ثمة أناس كثيرون تعلموا هذه المهارات ولكنهم نادرا ما استعملوها ؛ حتى أنهم لم يصبحوا قراء ماهرين ، وهؤلاء واقعيا أصبحوا ضعافا في القراءة ،أو يسيرون إلى ذلك ، ان هذه الحالة أصبحت تهدد مجتمعات كثيرة في أنها تشكل خطرا لا يقل عن خطر الأمية ؛ فالأمية قد تتجه لتكون مشكلة لفئة من الطبقة الأدنى ، ولكن تلك الحالة( أنصاف المثقفين أو قل المثقفين الأميين ان شئت ) تؤثر اجتماعيا واقتصاديا وعلى جميع المستويات.
وفي مجتمعنا الأردني حيث ينتشر التعليم في كل الأنحاء ولا تتوانى الحكومة أو تترك فرصة تعليمية الا وتستفيد منها ؛حتى ان وزارة التربية والتعليم تفتح صفوفا تعليمية اذا توافر خمسة طلاب ، ومع ذلك ، ومع هذا الانتشار الواسع للتعليم في البادية والريف والمخيمات والمدن والقرى ؛ الا أن ضعف القراءة وقلة القراء، أو الاقبال على المطالعة، يكاد يكون مرضا ، فلا خلاف في أننا شعب لا يقرأ ، او لا يحب القراءة على الاقل!
فهل نعود لمعالجة هذه الحالة إلى أساسيات المناهج ؟ أم هل نعيد النظر في طرائق التعلم والتعليم ؟ أم هل نعيد صياغة ثقافتنا وكتابة تاريخنا وتراثنا ، ومن أين نبدأ ؟ وما دور المدرسة ؟ وما دور الاسرة؟
ان على المدرسة أن تعي أن دورها لم يعد يقبل في ان يقتصر على مجرد جمع المعلومات وتكديسها، وحشوا أدمغة التلاميذ بها ، فلم تعد المادة الدراسية هي الهدف الوحيد للمدرسة ، بل بات من الضروري أن تفهم أن دورها أوسع من ذلك وأعرض ، وأن أهم دور لها هو أن تعلم الطالب كيف يتعلم ، وكيف يحل مشكلاته ، وكيف يحتصل على معارف لا يعرفها ،ومهارات لا يملكها ، أن تعلمه الطريقة إلى التعلم ،وكيف ينظم معلوماته ليوظفها في حل مشكلاته ، وأن يحقق ذاته في ظل عقل متسائل وفكر باحث ، ولكن مع الاسف ؛فان مدارسنا نسيت هذا الدور البناء والهدف الاسمى ، فكثير من طلابنا - بل وجلهم- اعتادوا على معلمهم ، اعتادوا عليه في شرح الدروس وما يمليه عليهم ، أو يقوله لهم ، فبات من الصعب عليهم أن يجدوا أنفسهم في غيابه ، تعودوا أن يتحمل عنهم المسؤولية ، وأن يأتي بما عنده من محاضرات واختبارات لا يحبونها في معظم أحيانهم ، ان على المعلم أن يعرف أن هناك أشياء كثيرة في المنهاج يستطيع الطلاب أن يعرفوها بأنفهسم ، لا باجترار المعلم لها ،وتضييع الوقت بها ،وحتى تنمو وتقوى عادة القراءة عند التلاميذ منذ نعومة أظفارهم ؛ لا بد لهم من أن يتعودوا كشف كلمات جديدة في كل مرة ، يضيفونها بعد استعمالها والتعود عليها الى خبراتهم وبنائهم القرائي ، سيكتشف الاطفال كلمات جديدة وكثيرة في كل المواضيع ،ولكن ما لم تستخدم هذه المفردات ويألفها الطلبة ويستعملونها في جمل انشائية قصيرة وطويلة ؛ فانها ستنسى، وهذا دور المعلمين.
والمعلمون أنفسهم عليهم النجاح في هذه المهمة ( حب القراءة) والاستمتاع بها ؛حتى يكونوا لطلابهم قدوة، ويخبروا بذلك طلابهم ، وبغير ذلك لا يستطيعون تعليم حب شيء لم يجربوه ويخبروه ؛ فحتى يقنعوا طلابهم بقيمة أن يكونوا قراء ماهرين ؛ عليهم أن يجعلوا القراءة أولا مناسبة ومفيدة لهم ، وذلك بربط كتب القراءة باستمرار بمراجع أخرى من مجلات وصحف وغيرها.
ان على المعلمين تعليم طلابهم عمليات جمع المعلومات من مصادر مختلفة ،فالمكتبات المدرسية الورقية والالكترونية غزيرة بالكتب التي تحمل مفاهيم أكثر وضوحا واقناعا من دليل في الكتاب المدرسي المقرر.
وتتدفق المجلات والصحف بالمعلومات والمعارف في التاريخ والجغرافيا والعلوم واللغة.....الخ، وهي أكثر امتاعا ومناسبة من أغلب الكتب المدرسية ، وستكون على الاقل اضافات معتبرة ومفيدة ومهمة الى النص الاساسي .
هذه وغيرها نشاطات أكثر دافعية ومناسبة للتلاميذ ، وأفضل من أن يقلبوا صفحة بعد صفحة في كتاب مدرسي مقرر.
ان المعلمين يؤدون من خلال القراءة الاعتمادية والاستمتاعية لعملية القراءة ، ومن خلال مشاركتهم لتلاميذهم بحماس لاكتساب معلومات من أنواع مختلفة للقراءة ، رسالة مهمة بطريقة مهمة للطلاب، فكأنهم يقولون لهم أن ثمة أسباب مثيرة في القراءة ، وأن مشاكل كثيرة يمكن أن تحل بالقراءة.
وهكذا فالمعلم الناجح هو الذي يجعل القراءة عادة مناسبة لطلابه ، ويخلق فيهم اليها حاجة ورغبة.
وفي أحيان كثيرة لا يكتشف الطالب أو المعلم متعة القراءة ؛لأنه ليس ثمة وقت لذلك ، ولهذا بات على المدرسة أن تضع في برامجها نشاطات كمثل ذلك ، بحيث لا تمرس الافتراض الخاطىء أن القراءة هي في الحقيقة موضوع مدرسي منفصل.
ان على المدرسة أن تضع في أهدافها ، أن تخرج طلابا يفكرون باستقلالية ،ذوي فكر ناقد مشارك ، يقرأون للمتعة والسرور ، وليس لاجتياز امتحانات هم يكرهونها ، لأنه - ومع الأسف - فان عملية الامتحانات تضع حدا أدنى من المهارات؛ يتأتى على الطلاب قبل ترفيعهم إلى المستوى الاعلى أن يجتازوه ،وهذا يضع المعلمين والطلاب تحت تأثير يؤكد أن الطلاب يستطيعون النجاح في هذه الامتحانات ولو بأدنى مهارة.
ان لنا في تجارب الشعوب الاخرى - اذ تقترح حلولا ممكنة للقضية - دروسا وعبرا . والقطران اللذان نجحا الى حد ما في هذه القضية هما اليونان ونيوزيلندا ، فاليونان مرت بمشاكل كثيرة من ضعف القراءة وقلة القراء ، وواجه نظام الثقافة اليوناني الحديث عددا من المشكلات الثقافية والاجتماعية والمالية ،كما أن في اليونان الحديث نظام اللغة المزدوجة ، فلغة الشعب هي اللغة المستعملة في الادب والعلوم والصحف ،كما أن هناك لغة اصطناعية شكلها الادباء لتبقى اليونان ضمن الملامح الهلينية ، ولتجعلها أكثر مشابهة لحالتها القديمة ، وهذه اللغة تعلم في المدارس ، وتستعمل في الوثائق المكتبية ، ومع ذلك فعادة حب القراءة تشكلت عند اطفال اليونان ؛اذ بدأوا هناك بالمعلم والتلاميذ ،وبرهنت طريقتهم نجاحا في نظام المدرسة اليوناني، بالرغم من مشاكل ثقافتهم ومجتمعهم ولغتهم .
كما أن النظام المدرسي النيوزيلندي أخرج قراء متعطشين للقراءة ،جاوز طلابهم الطلاب في كل الاقطار الأخرى في قراءة الاستيعاب وحب القراءة ، ان للقراءة الأولوية العليا في البيت النيوزيلندي، كما احتشدت المكتبات ونشط الآباء في أخذ أبنائهم إلى المكتبات ولو مرة في الأسبوع.
نعم ان للآباء دورا في القضية ،فعليهم أن يساعدوا أبناءهم في حياتهم البيتية ،ومراقبة دراساتهم ، وأن يكونوا لهم قدوة ،وأن يوفروا لهم الاجواء المناسبة والكتب المناسبة ؛ فالأسرة التي تقدم لأبنائها موائد من الثقافة ؛ تغرس في نفوس أبنائها حب العلم والقراءة ،ويستطيع الآباء أن يزودوا أبناءهم بالكتب الجيدة والمناسبة ، ويوفروا لهم حاجاتهم منها في مكتباتهم المنزلية؛فانهم بذلك يستطيعون تعويدهم زيارة المكتبات العامة واقتناء الكتب
كما وان ارتباط القراءة بالكتابة يخلق عادة حب القراءة، فبارتباطهما الحيوي وحينما تربط الافكار بفعالية وبنجاعةبالكتابة سيحصل الطلبة من كتاباتهم على معاني اكثر مما يقرأون عندما يعبرون عن افكارهم الخاصة بالكتابة فبالاضافة إلى توظيف ما تعلموه تتوالد لديهم افكار جديدة.خاصة اذا علمنا ان من مطالب النمو لدى الاطفال بلوغ المستوى الوظيفي في مهارات القراءة والكتابة وتتطلب هذه القيمة المهارات وما يتصل بهذا المستوى من قدرة على التعبير الشفويوالكتابي باسلوب صحيح وتنمية عادات الاتصال اليقظ والقراءة الناقدة والقراءة بقصد الاستفادة العلميةوالثقافية وبقصد الاستمتاع.
ويستطيع المعلمون كسر الطوق فيقدموا لتلاميذهم فرصا ليصبحوا واثقين من قدراتهم على الكتابة فلا شيء اعز على التلميذ من مديح معلميه وتعزيزهم له وتشجيع الابداع والفكر الخلاق لديه. سيتعثر التلاميذ في بداية كتاباتهم ، ولكنهم سيندهشون عندما يسمعوا مديح المعلم لأعما لهم المبدعة.
ان تملك مطرقة ومنشارا لا تكون نجارا!! ولكي تصبح كاتبا لا يكفي ان تمتلك ادواتها !، فلا بد من الرغبة والمراس والتدريب والتشجيع ،وان بناء وخلق مهارة حب القراءة لا يكون بين عشية وضحاها، ولا يتم ببساطة وانما يتطلب ذلك صبرا وعملا متواصلا من خلال اعداد برنامج وطني مدروس.
ان القراءة هي الرحلة وليست الغرض الاخير، والذين يجيدون القراءة فقط هم يعومون في نهر يجري في غير اتجاه ؛ ذلك لأنهم لا يعرفون كيف يجذفون بانفسهم تجاه الآفاق الجديدة. ان لم يقودهم مركبهم إلى غاية وهدف في رحلة ممتعة مؤنسة.
ان علينا ان نزود الاطفال بخبرات ضرورية، والتي ستدفعهم عبر مهارات آلية تكمن في جوهر الرغبة؛ ليقرأوا من اجل السرور ومن اجل المتعة، ومن اجل الحصول على المعلومات ،فليست القراءة هي الغاية !ولكن للقراءة اهدافا اخرى، منها تحصيل المعارف والحقائق والمعلومات، ومنها القراءة لأجل الثقافة العامة، ومنها القراءة لأجل الترفيه والتسلية، ومنها القراءة الوظيفية للتخصص في مهنة.
فعلينا آباء ومعلمين ومهتمين في البيت وفي المدرسة .... ان نرشدهم لذلك، وان نستغل ميولهم الطبيعية في الاطلاع واكتساب المعارف ،وان نحيطهم بنماذج منتقاة وأدب جيد مناسب.