بقلم :
كثيراً ما نطالع في بعض المواقع الإلكترونية المحليّة زاوية ً تشبه ما يمكن أن نسمّيه ( أريد حلاً ) أو ( عندي مشكلة ) حيث يلجأ رجلٌ أو امرأة بعد أن ضاقت بهما سبل الحياة إلى بثها على الملأ دون وضع اسم عليها عسى أن يجد حلاً لمشكلة أو يَسمع رأياً من أحد المهتمين ، وهنا تبدأ المأساة !!
فالمشكلة أصلاً تكون مطروحةً بشكلٍ مختصرٍ وغالباً غير حياديّ ، ولا تشمل كافةَ الأطرافِ المقصودة في المشكلة ، إضافةً إلى أن المشتكي هنا يصبح مجال تندّرٍ لكثيرٍ من المعلّقين الذين لا تعنيهم المشكلة أصلاً ، فيبدؤون بطرح حلولٍ سقيمةٍ أو فيها بعض الطرافةِ أو تحمل نوعاً من المجاملة ، ولكنّ معظمها – إن لم يكن كلّها – تخلو من رأي ٍعلميّ سليم ٍ أو قادرٍ حقاً على مساعدة طالبِ الحلّ ، كما أنها تشتمل على آراءٍ تمثّل شخصية المعلّق وتصرّفه هو لو كان في نفس الموقف ، علماً أنّ الكلامَ النظريّ شيءٌ والواقعُ شيءٌ آخر .
وهذه المواقع يهمّها زيادة عدد قرائها بغضّ النظر إن كانوا يستفيدون فعلاً من مثل هذه الزّوايا . ولهذا علينا أن نعيَ عدم حِرفية هذه المواقع لعدم وجود شخصٍ مختصٍّ في علم النّفس مثلاً ، يقدّر تبعاتِ نصحه لشخص يعاني من مشكلةٍ يرى صاحبها أنها مشكلةٌ حقيقيةٌ ، قد تؤدي إلى كارثةٍ في حياته إذا لم يتمّ معالجتها أو تداركها ، فقد نسمع من صاحب المشكلة قولاً مثل: ( إذا لم أجد حلاً فأنا أفكر بالانتحار حتى وأنا أعلم أنه حرام ) وتجد معلّقاً لا يدرك ما يقول ، ينصحه بعد قراءة مشكلته بقوله : ( إنتحر أحسن لك !! ) وهو لا يعرف أنه قد يكون قرّب صاحب المشكلة خطوةً نحو حتفه ، أو تجده يستهزئ بألمه دون أن يُدركَ امتعاضه وزيادةَ حقده على المجتمع الذي لا يشعر بمعاناته ، مما قد يثير نوازعه الشريرة تجاه هذا المجتمع ( غير المقدّر ) حسب رأيه ، وبالتالي قد يضعه تعليقك ( الفكاهي غير المسؤول ) على أول طريق الجريمة. إضافة لتأثير هذه التعليقات - خاصةً إن رافقها ظهور الأسماءِ الصّريحة - في عمل شرخ ٍ في العلاقات الزوجيّة والأسريّة نتيجة قراءةِ أحد الزّوجين مثلاً لتعليقٍ مُسيء لشخصه أو لشخص ِشريكه ،وقد لا يتفهّم الشريك أنّ المعلّق لا يعرف شريكه أصلاً ولكنه نشر تعليقه من باب الكيد له أو التسلية بالناس ، وهذا المعلّق لا يعرف أنه أثّر سلباً على أسرةٍ وأطفالٍ نتيجة فعلٍ لم يحسب له حساباً ، تماماً كتأثير رصاصةٍ طائشةٍ لم تُعرف يدُ مطلِقها ، لكنها على الأغلب استقرّت في صدر بريء ، ألسنا نرى في مُطلِق ِ هذه الرّصاصة مجرماً ؟؟ إخوتي المعلّقين ، أخواتي المعلّقات ، لا تستهينوا بالكلمة وتأثيرها ، فربّ كلمةٍ تكبّ صاحبها على وجهه في جهنّم ، فقد قال عليه السّلام ناصحاً أحد صحابته : " أمسك عليك هذا " وأشار إلى لسانه ، فسأله الصّحابي : " وهل نحن مؤاخذون بما نقول يا رسول الله ؟ " فأجابه : " ويحك ، وهل يكبّ النّاس على وجوههم في النّار إلا حصائدُ ألسنتهم ؟؟ " وقال أيضاً : " إنّ العبد ليتكلّم بالكلمة من رضوان ِالله لا يُلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات ، وإنّ العبد ليتكلم بالكلمةِ من سَخط الله لا يُلقي لها بالاً يهوي بها في جهنّم " ، وقال أكثم بن صيفيّ : " مقتلُ الرّجلِ بين فكّيه " ، فلا تستهينوا بالدّور الذي تلعبه تعليقاتكم في حياة إخوتكم من كتّابٍ أو عابرين أو أصحاب مشكلة أو حتى معلّقين آخرين ، وهذه الشاشة التي نطلّ من ورائها يوجد خلفها إنسانٌ من لحم ودم ومشاعر ، وهي ليست عالماً وهميّاً ولا افتراضيّاً يعطينا الحق أن نعبث بمشاعر الآخرين ، وقد خرجت دراسة قريباً بأن الإحباط الذي يواجه مستخدمي ( الإنترنت ) نتيجة رفض الآخرين لهم أو لصداقاتهم أكبر بكثير من الإحباط الذي يواجهونه لو رفضهم أشخاص من الواقع. إضافةً إلى أن هذه المواقع ليست ساحةً لتصفيةِ الحساباتِ الشخصيّة ، وعلى الجميع ألا ينجرّوا وراءَ مثل ِ هذه التعليقات ،وخاصة إن بدأت تأخذ منحى الشّتم أو الضّرب بأعراض الآخرين ، فالله تعالى يقول في مُحكَم تنزيله : " إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ " وليس منّا مَنْ يحبّ أن تكون نتيجة تعليقه انتحارُ شخصٍ أو انسياقه لطريقٍ الجريمة أو تشريدُ أسرةٍ أو حقدٍ وكرهٍ يقودان لجنوح الفرد . وليكن لكم دورٌ إيجابيّ – حتى لو كان ناقداً – ودون تجريح ٍلشخوصهم ، فاحترامكم لأنفسكم ولإخوتكم يستدعي ردّ الإحسان ِبالإحسان ، وقد قال عليه السّلام وهو قدوتنا : " منْ كان يؤمن باللهِ واليوم ِ الآخر فليقل خيراً أو ليصمت ".
nasamat_n@yahoo.com