حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الإثنين ,16 ديسمبر, 2019 م
طباعة
  • المشاهدات: 5386

النائب مصلح الطراونة يكتب : موسم الهجرة الى الشمال

النائب مصلح الطراونة يكتب : موسم الهجرة الى الشمال

النائب مصلح الطراونة يكتب : موسم الهجرة الى الشمال

21-11-2019 08:00 PM

تعديل حجم الخط:

بقلم :
سرايا - شيء من بطل ( موسم الهجرة إلى الشمال )، كنت ذلك الرجل ، جنوبي في كل خلية تسكن داخله ، متوتر بكل لحظة تعبره ، رجل على حافة التهور أو الانفجار ، استمد من أرضه الوعرة صلابة الوقفة ، وهو بذلك ككل الجنوبيين ، لا يعرفون الالتفاف؛ يحبون الطرق القصيرة المباشرة و إن كانت دامية ... ثائرون بالفطرة، اندفاعيون لا يشكل الانتظار في حياتهم الكثير، ... نعم من تلك القرية الممتدة على سفح جبل ينتهي في الشرق خرج ذلك أنا ، تأبط حقيبة لا يذكر من أين حصل عليها و خرج، حيث الحياة لا تنتظر الواقفين في المحطات .

آخر ما ملأ به جعبته روح أمه الذي لم يغادره ، و كمية عارمة من الملابس تكفيه مؤونة البرد الشمالي ، و وصية نفذها قبل أن يغادر ، ( مر علي يا عموه أشوفك ، يمكن أخر مرة أشوفك فيها ) هكذا ناداه عمه العمدة ، والد القرية كلها، كأن يقينه أيقضه من غفلة، علم أو لم يعلم ، وجد نفسه منادى لذلك الشيخ ، خاف أن يعود ولا يراه ، لبى دعوته ، و فعلا كانت الأخيرة ، وكان اللقاء الأخير.

اختطفته المشاعر بين حلم جميل ، أو قد يكون حينها ، و بين فقر تربى معهم فردا من أفراد تلك القرية ، دفعه اندفاعه هذه المرة إلى الشمال ، وما أدراك ما الشمال ، أقصى شمال بريطانيا : الحلم النائم بأحضان كل شرقي، خمس سنوات هناك ، عشرة أعمار كاملة ... ٦٠ شهرا ، ١٨٠٠يوم .... انتظر فيها معونة البعثة كل آخر شهر، شمال الآخرين لم يغسله من شرقيته الثابتة، صقيع تلك الأراضي ، و ضبابها لم يكن كافيا لمحو مرابع صباه ، و لا حتى كان سببا في تشكيل لكنته أو طعجة فمه من جديد.
بعد عشرين عام تقريبا ، الآن تحديدا ، عاد إلى الشمال ، كما لم يأتيها سابقا ، إلى ذات الجامعة عاد ، أبا وليس دارسا ، أبا فخورا عاد ، ليملأ عينيه فخرا ببكره التي أصرت أن تعانق ذكرياتها طفلة ، و ذكريات والدها، حين جاء ذات زمن .
ربما تعانقه العبرة الآن فرحا بتخرج طفلته ، ولكن من المؤكد أن جزءا من تلك العبرات ليس فرحا فقط وهي الأكبر ، إنما هو هياج الحنين جاش أيضا، اختطفه الآن ، كما اختطفته المشاعر المتناقضة التي تجتاح فتى شرقي اتجه للغرب قبل ربع قرن.
التقط له ولها صورة تذكارية في باحة الجامعة ، أمامها رقم كبير 2019 ، ود بشكل عاطفي بحت لو كان هناك من يلتقط له صورة ، أو ربما كان هناك من التقط فعلا ، حاول جاهد أن يتذكر إن كان له صورة حقا في ذلك الزمن ، تخلد هذه اللحظة ، لم يفلح في التذكر ، كل شيء بقي كما هو ، إلا العمر .
سيأخذ الكثير من الوقت ، وسيسهو كثيرا حين يركب طائرته عائدا للشرق، سيغفل عن مضيفة تمر متسائلة إن كان يريد قهوة أو مشروبا غازيا ، ستوقضه من غفلة الحنين كوع كهل مجاور ربما ، ليذكره بوجود المضيفة ، سيأخذ كوب قهوة ، و ربما لن يشربه ، سيعود لحنينه ، بعد ربع قرن ، لايزال داخله ذلك الفتى .

لحلى المدللة، كل ما في هذا الكون - يا بهجة العمر - لو منحته لن يعادل فرحتي بك اليوم، فخور بك و أنا أراك تنمين بكل استقلالية و عزم، تتسلقين مدارج العلم كما تسلقها والدك من قبل، كبرت يا ابنتي و بهجتي بك لا تساويها بهجة أرض قاحلة استقبلت المطر، سأخبرك بأنني مدين لك بالكثير، بداية مدين أنا لك بفرح غامر جاء في خريف العمر، ومدين أنا لك بحنين لا أستطيع الفكاك منه، ولا حتى سداده، إذ ليس بمقدور كثير من الأبناء استعادة أيام قديمة ليضعها مغلفة بصندوق الهدايا ليقدمها لوالده، هديتك أجمل ما يمكن أن يقدم بعد كل هذا التعب وسنواته الطوال .

أبارك لك يا مهجة العمر حصولك على شهادة الماجستير و قبول الدكتوراة، سائلا المولى أن يحفظك بحفظه و يكلأك برعايته و لطفه ، اللهم نعم المولى ونعم النصير .

لتحميل تطبيق "شرق" : اضغط هنا






طباعة
  • المشاهدات: 5386

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم