حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الخميس ,13 ديسمبر, 2018 م
طباعة
  • المشاهدات: 8291

مزارعون متنقلون .. تحصيل الرزق على هامش الاقتصاد الرسمي

مزارعون متنقلون .. تحصيل الرزق على هامش الاقتصاد الرسمي

مزارعون متنقلون ..  تحصيل الرزق على هامش الاقتصاد الرسمي

09-08-2018 08:36 AM

تعديل حجم الخط:

سرايا -

على جانب الشارع العام الذي يربط مدينتي المفرق وجرش مخترقا بعض القرى المنتشرة على جانبي الشارع، أقام أبو السعيد بناء بسيطا يمكن اعتباره خليطا من المعرّش والبيت الخشبي والخيمة، يبيع فيه أصنافاً من الخضار والفاكهة والأعشاب التي تتبدل بتبدل المواسم، وهو يقوم بهذا العمل منذ أكثر من خمسة عشر عاما.


سيتبين لنا بعد قليل أن أبو السعيد ليس مجرد بائع للخضار والفاكهة، بل هو كذلك مزارع ممارس وابن عائلة كانت أصلا تعمل بالزراعة، غير أن قصته تمثل نموذجاً لقصص فئة من الفلاحين الأردنيين الذين حاولوا، وما يزالون يحاولون، الصمود في زراعتهم، وقد بذلوا الكثير من الجهد وأظهروا الكثير من المرونة في التعامل مع الصعوبات التي واجهت الزراعة الأردنية في العقود الأخيرة.
كل أعمال الزراعة
أبو السعيد، مزارع من إحدى بلدات محافظة جرش أصلاً، وهو يسكن في أطراف إحدى القرى الواقعة إلى الشمال من جرش. وهو في الأصل من أسرة فلاحيّة، لكنه انخرط في الخدمة العسكرية لمدة خمسة أعوام وفق نظام خدمة كان متبعاً في فترة سابقة.
بالنسبة إليه، لم تعد الزراعة المستقرة مجدية، فصار يتنقل مزارعاً وبائعاً لمنتجاته، بالدرجة الأولى، ومنتجات مزارعين آخرين في البناء المذكور، الذي بناه يدوياً وبالتدريج، في منطقة تقع إلى الغرب من المفرق.
عملت عائلة أبو السعيد (والده وأجداده) في زراعة الحبوب (خاصة القمح والشعير) والحمص وفي تربية الحلال، وذلك كان حال أغلب سكان منطقة جرش وعجلون، وله خمسة إخوة يعملون في المجال ذاته وبالطريقة ذاتها في معرشات مشابهة للخضار والفواكه مقامة في شوارع أخرى في المنطقة نفسها.
في الشتاء، ومع توقف الإنتاج، يعمل أبو السعيد في الخدمات الزراعية الأخرى، فهو يتقن 'تشييك' المزارع، أي تسوير الأرض الزراعية بالأسلاك الحديدية الشائكة المخصصة لذلك، كما يتقن بناء الأسوار الحجرية (السناسل) و(القطّاعيات)، أي الجدران منخفضة الارتفاع التي يقيمها المزارعون على الأرض ذات السطح المائل، وهي طريقة معروفة تسهم في الحفاظ على التربة حيث تعمل هذه 'القطّاعيات' على منع انجرافها.
يروي أبو السعيد قصة اختياره لهذا الموقع كمكان للبيع المستقر، فقبل خمسة عشر عاماً، صادف أن زرع محصول الباميا على قطة أرض قريبة من موقعه الحالي، ونظراً لأنه كان مضطراً إلى قطف محصول الباميا على دفعات في اليوم نفسه، فقد قام وعلى سبيل التجريب، ببيع منتجه إلى ركاب وسائقي السيارات التي تستخدم الشارع.
ومن تجربة البيع الأولى هذه، اكتشف أبو السعيد، أن الموقع مناسب ومجدٍ للبيع المستقر، فأقام 'المعَرَّش' وأخذ يعرض بضاعته من خلاله لعابري الطريق، ثم أقام خلف المعرّش، مستودعا من الصفائح المعدنية يضع فيها أغراضه عند انتهاء يوم العمل، وفي هذا الصدد يقول، إن المنطقة آمنة وان السكان القاطنين قريبا منه يعرفونه ويقيمون معه علاقة ودية.
أجراس الحمص
يعتمد أبو السعيد في جزء من زراعته على نظام 'ضمان الأرض' من أصحابها الذين يقومون بزارعتها، وخاصة بالنسبة لمحصول الحمص. وقد تكونت لديه مع مرور الزمن الخبرة اللازمة في هذا المجال، فهو يتفقد الأرض المزروعة بعد مرحلة الإزهار، بينما تكون نواة حبوب الحمص في مرحلة يسميها مزارعو الحمص 'جْراس' (مِن جَرَس)، وتكون الحبة في وضعية 'فُقّيع'، أي 'فقعت' وتكونت نواتها داخل القشرة حول الحبة، فيقرر بناء على تقييمه لوضعها شراء المحصول من عدمه، كما يقدر قيمة الضمان، ولكنه كما يقول، يتوكل على الله دائماً، لأن صاحب الأرض يقبض قيمة الضمان مسبقاً ولا علاقة له بمصير المحصول فيما بعد.
زرناه في آخر موسم الحمص، ففي هذه المنطقة يستمر موسم الحمص البلدي حتى أول الصيف، حيث كانت لديه بعض 'ضُمَم' من الحمص البلدي الأخضر، في مثل هذا الوقت يكون موسم الحمص من الأصناف الأخرى قد انتهى، ولذلك فهو عندما يبيع زبائنه يصر على تذكيرهم بأنها 'أكلة الوداع' لحمص هذا الموسم. وإلى جانب الحمص وضع على بسطته كميات من الفواكه الطازجة مثل الدراق والمشمش والخوخ، وهي الأصناف التي يسمونها في المنطقة 'حلويات'.
يبدأ يوم العمل عند أبو السعيد في الخامسة صباحاً، حيث يتوجه مع أفراد أسرته (الأولاد والزوجة)، إلى الحقل ويبدأون بـ'قلاعة' الحمص و'تربيطه' في ضُمَم بأحجام متساوية رغم أنها تختلف من وقت لآخر، ويمضون في هذا العمل الصباحي حوالي الساعتين، يتوجه بعدها أبو السعيد وحده إلى 'المعرّش' كي يبيع ما قطفته الأسرة مجتمعة.
إنه يدخّن بشراهة، ويقول إن الدخان شريكه الوحيد في العمل، وفي آخر النهار يغادر الشارع عائداً إلى بيته مع غياب الشمس، بعد أن يرتّب ما تبقى من بضاعة في المستودع المقام خلف المعرش.
أبو السعيد مثال لحال الفلاحين الذين لم يغادروا كار الزراعة، أو ربما لم يتمكنوا من مغادرته، ولكنه لا يرى لأولادة مستقبلا في مجال الزراعة.
المعرش الذي يقيمه يوفر فيه بعض الخدمات الأخرى للزبائن والجيران من قرى المنطقة، وعلى سبيل المثال، فإن مَن يريد أن يبيع شيئا يمكنه أن 'يضع خبر' عند أبو السعيد، وعند زيارتنا لاحظنا بقايا لإعلانات عن بيع أراضٍ مع أرقام تلفونات للمراجعة.
البيع 'فرْط' أو 'على أمه'
مع الوقت تعرف أبو السعيد على طباع وطبيعة زبائنه من متسوقي الشارع، ويقول إنه اعتاد عليهم واعتادوا عليه. إنه لا يحتاج إلى أن يقف مرحباً بالزبون أو داعياً ومشجعاً إياه على الشراء، فهو يبقى جالساً في مكانه إلى أن يتقدم الزبون بعد أن يترجّل من سيارته.
إلى جانب زبائن الطريق العام، يبيع أبو السعيد لسكان القرى القريبة، ويقوم بتزويد بعض الدكاكين الصغيرة فيها ببعض احتياجاتها من السلع التي يبيعها، وأثناء زيارتنا له رأيناه في الأوقات التي تخلو من الزبائن يقوم بـ'فرط' حبات الحمص، وذلك لأن هناك طريقتين للبيع، إما 'فَرْط' وإما 'على أمه'، أي 'بالضُّمة' مع الجذور.
حالة أسرة أبو السعيد وأسر أشقائه الخمسة، تمثل نموذجاً لمصير أسر فلاحيّة منتجة، لم تجد في السياسات ما يحميها ويحافظ على عملها، إنهم ينتمون إلى قطاع غاب عن نظر المخطط وصاحب القرار، رغم أنه (أي القطاع) يمارس عمله تحت الشمس وعلى قارعة الطريق.
الغد






طباعة
  • المشاهدات: 8291

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم