حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
انت الزائر رقم: 8418108 الأربعاء ,18 يوليو, 2018 م يوجد الآن عدد (4873) زائر
طباعة
  • التعليقات: 0
  • المشاهدات: 226

(التشنّج الفكريّ)

(التشنّج الفكريّ)

(التشنّج الفكريّ)

14-04-2018 08:46 AM

تعديل حجم الخط:

بقلم : خالد عبدالعزيز الدرابسة

لن أموت أبدًا دفاعًا عن قناعاتي أو مبادئي، فقد أكونُ مخطئاً عبارةٌ للفيلسوفِ البريطانيّ *برتراند راسل* لفتتِ انتباهي على المُتصفّح ، فوقفتُ أتأمّلُها مستقرئاً فيها واقِعَنا ، ومستدعياً شيئاً مما علِق بالذّاكرة ، وكأنَّ *براسل* يريدُ أنْ يقولَ لنا إنّ ما نعتقدُ أنّه قناعاتٌ مطلقةٌ لا يعدو عن كونِهِ مُجرّدَ آراءٍ أو تصوّراتٍ تحتملُ الخطأَ والصّوابَ ، وهيَ وإنْ كانتْ صائبةً اليومَ، فربّما لا تكونُ كذلك غدًا، وإنّ ما نظنُّهُ قناعاتٍ أو مبادئَ ، قد لا يَعتبرُها الآخرون كذلك، فهيَ في النِّهاية أفكارُنا الشخصيةُ أو الخاصّةُ، وليسَ علينا حَمْلُ الآخرين على اعتناقِها أو تبنّيها.
هذه القراءةُ بمغزاها العميق جعلتني أتساءلُ ، تُرى لماذا يتعيّنُ على الإنسانِ أنْ يَدفعَ ثمناً باهضاً لمبادئِهِ وقيمِه وأفكارِه؟ أليسَ ذلك استخفافاً بالحياة؟ أو ليسَ إلقاءً بالنفسِ إلى التّهلكة بمفهومِها الجتماعيّ ؟ ألم يكنْ بمقدورِ المفكرينَ والزُّعماءِ السياسيين -الذين ضَحَّوا بحياتِهِم - التَّنازلُ قليلاً مُقابلَ الحفاظِ على حياتهم ، واستمرارِ بذلِهم وعطائِهم للعامّة ، ولو كانَ ذلك تنازلاً شكليًا أو تكتيكياً !؟
عبارةُ راسل هذه ، أرجعتني إلى الوراء ثلاثةَ عُقود ، لحِوارٍ بريءٍ دار بين أبي وأقربائي حولَ زعيمٍ عربيٍّ شهير ، كان وقتَها -برأيهم - سيِّدَ الرّجالِ وبطلَ الأمة، سألوا فيهِ ابنَ عمّهِم الطّبيبَ *أحمد* عن رأيِهِ فيه - وكان أنذاكَ أكثرَهُم ثقافةً وأغزرَهُم عِلماً - فقال عنه :(مجنون) ، وحينَها أُصيبَ الجميعُ بالوجوم من وقْعِ الوصفِ الّذي خالفَ تصوُّرَهُم تماماً .
واليومَ ، ونحنُ نرى واقِعَ الأمّةِ من سيّئٍ لأسوأ أتساءلُ ، تُرى لو كانَ ذلك الزّعيمُ مَرِناً في تعاطيهِ مع الواقِع السّياسي المتردّي ، وما رافَقَهُ من تحوّلاتٍ أيدولوجيّةٍ خطيرة ، هل كانت ستصلُ بلادُهُ إلى ما وصلت إليه ؟ وهل كانت ستخسرُ الأمةُ كلَّ هذا الخسرانِ في زمنٍ قصيرٍ جدّاً؟
هذا مثالٌ واحدٌ ، والقائمةُ تطولُ ، ولكنّهُ صورةٌ حيّةٌ عن كثيرينَ مِنَ الذّينَ كانتْ تضحياتُهم شكلاً من أشكالِ الجُنونِ أو غيابِ العقلانيّة ، فقد خسرتْ أمَّتَنا على مدارِ التّاريخ العديدَ من الزُّعماء والعلماءِ والرّواد والمبدعينَ تَحْتَ شعاراتِ الدّفاعِ عن المبادئِ والأفكار والمواقف، في حين أنّ الحياةَ غاليةٌ ، وإرادةُ اللهِ غالبةٌ ، وحاجةُ النّاس لهذهِ القاماتِ المُنيرةِ وإرثِهِم وأثرِهِم أكبرُ من هذهِ التّضحيات ، وأثمنُ منْ أنْ تُهدرَ بالتّعنّتِ والتشنّج والبُطولاتِ الآنيّة، بصرفِ النَّظر عن صحّةِ هذهِ الأفكار أو خطئِها ، أو َلمْ يُعِبْ دينُنا على *ذوي الرأي* اعتزالَهُمُ الناسَ حتّى لا يُحرَمَ المجتمعُ من أثرهِم ، فكيف بالتّضحية بأنفسِهم لقاءَ مبدأٍ قابلٍ للتّغيير أو التّكتيك !؟
ما سُقتُهُ من مثالٍ لزعيمٍ يعرفُهُ الكثيرون قد يكونُ محلَّ خلافٍ في وُجهاتِ النّظر ، وهذا هو المغزى من كلامي اليومَ ، فكلُّ إنسانٍ يُمكنُ لهُ أنْ *يتمرّدَ* ، لكنْ علينا في جميعِ الأحوالِ أن نتجنّبَ الحالاتِ الحِدّيةَ ، التي يتحتّمُ علينا فيها أن نختارَ بينَ التمسّكِ بأفكارِنا وقناعاتِنا الخاصّة التي تَقبلُ التَّعديلَ والمُراجعةَ ، وبينَ مُواجهةِ الطُّوفان .






طباعة
  • التعليقات: 0
  • المشاهدات: 226

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم