23-06-2009 04:00 PM
البحث العلمي بين الحقيقة والوهم أ د . محمد الخوالدة. جامعة اليرموك. ما طبيعة البحث العلمي؟ وما منطلقاته؟ وما الأوهام التي تجعلنا غير قادرين على القيام به؟ وما المسوغات التي يسوقها بعض المسؤوليين عن سياسته في الوطن العربي؟. فالبحث العلمي، هو اجتهاد منهجي دقيق يقوم به العلماء في مجالات اختصاصاتهم المعرفية والعلمية المختلفة، بهدف تفسير الظواهر الطبيعية والوجودية في الحياة، من اجل التقدم العلمي النسبي في زيادة فهم الإنسان للموضوعات التي تفرضها متغيرات الحياة ومتطلباتها في المجتمعات الإنسانية عبر مسيرتها التاريخية. وهذا النشاط الإنساني العلمي المنظم، لا يقوم به العامة من المواطنين، بل يتولاه الأفراد، الذين يتميزون بالعقلانية والتفكير الموضوعي الذي يستند إلى وعي وبصيرة وإدراك لقيمة العلم ودوره في حل المشكلات التي تواجه الناس في حياتهم اليومية. وهؤلاء العلماء الباحثين في مجالات العلوم المتنوعة يمتلكون قدرات عقلية عالية، وهيمنة على النظام المعرفي الذي يبحثون فيه، ومهارات في الطريقة والإجراءات التي تتفق مع طبيعة الموضوع المبحوث، وبدون هذه الخصائص، فان البحث العلمي الحقيقي يتعطل، لان شروطه غير موجودة في الباحثين. وبناء على ما تقدم من بيان، فان البحث العلمي يتطلب بالضرورة مجموعة من الأسس الرئيسة التي ينطلق منها، وبدونها، فان البحث العلمي لا يحدث في الواقع، وان حدث فانه يكون وهما أكـثر منه حقيقة . فما هي هذه المنطلقات التي يتطلبها البحث العلم بالضرورة من حيث بنيته التحتية؟ فإنها تتطلب إنسانا مربى على التفكير الناقد، بل إنسانا قادرا على امتلاك مهارات التفكير وعلى رأسها التفكير الصوري، أي قوانين الفكر النظري، أي مبدأ الذاتية، ومبدأ عدم التناقض، ومبدأ الثالث المرفوع. وقوانين المنهج العلمي للبحث في طبيعة النظام المعرفي، أي مناهج العلوم المختلفة في العلوم الطبيعية ومناهج العلوم الاجتماعية والإنسانية. ومنطلق آخر هو امتلاك مهارات معرفية، تتصل بنظرية فلسفة المعرفة، أي إدراكا عاليا لبنية النظم المعرفية بعناصرها المكونة، أي هيمنة الباحث على النظم المعرفية في العلوم الطبيعية والاجتماعية والإنسانية، ولكن الموجود هو النموذج المعرفي النظري الهابط بصورة عامة، لان المتعلم في العالم العربي ليس مهيمنا على طبيعة النظم المعرفية نتيجة التعليم الراهن، بل الموجود هي؛ معرفة مجزأة ومشوهة وغير متكاملة في ذهن الأفراد الذين يتولون مهمات البحث العلمي، وبدون إتقان منهجية العلم، ولا يتمكن الباحث من القيام بالبحث العلمي بصورة عملية متقنة، فيظل يتحدث عن البحث العلمي كحاله من الإسقاطات النفسية، لأنه لا يتقن انجاز البحث العلمي بشروطه العلمية الصارمة. زد على ذلك حالة الحريات العامة والأكاديمية في البيئة المعرفية، ما زالت لا تشجع اغلب المفكرين على إطلاق أفكارهم بحرية تامة، فالحرية الأكاديمية عليها مراقبة شديدة مرئية وغير مرئية، تخلق حالة من الخوف عند المفكرين والمبدعين، فيمنعهم الإحساس بالخوف، من الابتعاد عن إطلاق قدراتهم في مجالات الإبداع المختلفة، خشية من الوقوع في الشبهة أو الاتهام بالزندقة، أو الكفر بسب التسلط الفكري، وبخاصة حينما يكون البحث في القضايا الدينية، أو أي تهم أخرى مريرة تشكل مانعا داخليا عند الإنسان من إظهار اجتهاداته المختلفة. وفي هذه الحالة، فان وجود المال وحده لا يخلق بحثا علميا مبدعا يتصل بمشكلات الإنسان والمجتمع، حتى يصبح البحث العلمي، هو المنهج العقلاني الذي يلجأ إليه المجتمع لحل مشكلاته والانطلاق نحو التقدم والازدهار على مستويات الحياة كافة. فحالة الحداثة وما بعد الحداثة خطوات ضرورية للمجتمع العربي، شريطة أن يكون له حداثته الخاصة والتي لا تغرب هويته الثقافية، ليست حداثة تقليد الغير الذي قد يفقدنا هويتنا الثقافية، ولعمري فان هذا العالم وما ينتج عنه من حداثة هي؛ آية من الله خالق هذا الكون، بكل ما فيه من موجودات . ولكن مجتمعاتنا لم تصل بعد إلى الحكمة التي يريدها الله منهم في قبول المتغيرات والمستجدات، لان الإباحة هي القاعدة التي يريدها الله، وهي أصل التشريع، ما لم تكن محرمة وظالمة للمصلحة العامة، وبهذا فان الدين الإسلامي ـ شريعة الله ـ ل يحرم الإقبال على المستجدات، لأنها متغيرات يريدها الله لعباده لكي يصعدوا في سلم الحضارة الإنسانية، في إطار علم الله وابدعاته ورحمته للإنسانية . فالبحث العلمي هو هداية الله للناس لحل مشكلاتهم، لأنه الآلية المنهجية التي يطمئن إليها الإنسان في حياته، وهي أعلى الاجتهادات الإنسانية التي لا تجمع على ضلالة، لأنها تتوجه لمصلحة الناس كافة؛ وحيثما تكون مصلحة الناس، يكون شرع الله، لان الله سبحانه وتعالى لم يلغ الإرادة العامة، والعقلانية في المجتمع الإنساني، لان العقل في المجتمع هو أساس الشرع، ولذلك ستبقى هذه العقلانية مقدرة عند الله والمجتمع ما دامت الحياة قائمة. لان متطلبات الحياة الإنسانية، في مشوارها الإلهي تتجاوز نصوص الدين، ولهذا فان الله لم يلغ الاجتهادات الإنسانية في الحياة العامة، بل أكد عليها للتمتع بنعمة الله في الوجود. فوجود المال وحده لا يوجد البحث العلمي، ولكن البحث العلمي يوجد المال، فالمال لا يحرك إلا تجار العلم، والعلم الذي يحركه المال قد يؤدي إلى ظلم إنساني، أو فساد في الأرض أو سيطرة القيم الهابطة على القيم النبيلة في المجتمعات الإنسانية. فأول حركة نحو البحث العلمي، هو تخليص الإنسان من إتباع الأفكار المسبقة، أو التقيد بالموروث أو تقليد السابقين بقداسة لا تسمح لنا بالتفكير في مستجدات الحياة، ورفض هذه المستجدات بصورة عمياء، فيحرمنا هذا من التمتع بنعم الله في الحياة الدنيا، وهو سلوك اتبعته أقوام خلت من قبل، وقد خلقت صعوبات أمام الرسل والمنذرين الذين أرسلهم الله هداية لهم، أضف إلى ذلك تربية إنسانية فعالة قادرة على تحويل دماغ الإنسان إلى عقل، وتفكير ناقد، يمكن الإنسان من التحريض الذي يجعله قادرا على رؤية الخطأ في الأقوال والأشياء والأفعال. أما التربية التي تقهر الإنسان وتروضه على تبني الخرافات والاستسلام للموروث تحت وهم القداسة لفقه الرجال علما أن الفقه هو الاجتهاد في الدلالات الظنية في الدين، حيث لا يجوز تبديل فقه الرجال بالدين كلام الله الذي لا يأتيه الباطل أبدا. فكيف يصبح الفقه هذا مسيطرا على حياة الناس أجمعين، مع تجنب الكثير منه لحقيقة الدين شريعة الله التي لا يأتيها الباطل. كما أن البحث العلمي بحاجة ماسة إلى تربية تحرر الإنسان من ألوان القهر، والتلقين، واستلاب العقل، وتحويله إلى ذاكرة فوضوية تخزن المعرفة تحت حراسة الذاكرة، دون ترميز يساعدها على استدعاء المعرفة حين تطلب. ذاكرة تنسى فيعود الإنسان لا يعرف شيئا من معرفته، لان النسيان من طبيعة الذاكرة، وقد احتلت الذاكرة مكانة مركزية في مسيرة تعلم الإنسان، ولكن استمرارها على هذا المفهوم القديم، يمثل إشكالية عند الإنسان المعاصر، لأنه قد طور ذاكرة خارجية تسعف ذاكرة الإنسان من دورها في الحفظ والخزن والحراسة، وتريحها من عناء التعب والإرهاق والنسيان، إلى ذاكرة واسعة تخزن فيها المعلومات والمعارف والعلوم دون حدود، بعيدة عن النسيان الذي يصيب الذاكرة الإنسانية عن طريق المحو أو الكف أو العرقلة أو حين وصول الإنسان إلى أرذل العمر، أي الفترة التي يفقد فيها الإنسان قواه الحيوية التي كانت تمكنه من الاكتساب. لهذا كله فان البحث العلمي، هو السبيل الوحيد الذي يجتهد في سبيل حل مشكلات المجتمعات الإنسانية كلها، لذلك أكد الرسول صلى الله عليه وسلم على ضرورة استمرار الاجتهاد في حياة المجتمعات المسلمة، لأنه الطريق الوحيد الذي يجعل المسلمين في حياة متقدمة، لأنهم قد أسهموا في مواجهة التحديات التي تواجه حياتهم في كل زمان ومكان. ولكن ما البحث العلمي الذي نطمئن إليه، هو البحث الموضوعي الذي يتحرر من الإغراض الذاتية وغرض الحياة الدنيا، بل البحث العلمي الذي يدرك الحقيقية، الحقيقة التي تخلو من الوهم وتؤكد على ما ينفع الناس في حياتهم الاجتماعية العامة.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
23-06-2009 04:00 PM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||