حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الجمعة ,3 أبريل, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 12422

كيف لحكم قضائي أن يهدد بانقلاب في عالم "السوشيال ميديا"؟

كيف لحكم قضائي أن يهدد بانقلاب في عالم "السوشيال ميديا"؟

كيف لحكم قضائي أن يهدد بانقلاب في عالم "السوشيال ميديا"؟

03-04-2026 02:41 PM

تعديل حجم الخط:

سرايا - في يوليو (تموز) عام 2000، حقق الطبيب هوارد إنغل، الذي عانى إدمان النيكوتين، انتصاراً قضائياً بارزاً ضد صناعة التبغ الأميركية.

وفي خضم مراجعة وطنية واسعة لأضرار التدخين، نجح إنغل في إقناع هيئة محلفين في فلوريدا بأن شركات السجائر كانت قد سوقت عن علم منتجات مسببة للإدمان، مع تعمد إخفاء أخطارها عن الجمهور.

واليوم، توصل محلفون في لوس أنجليس إلى حكم يحمل دلالات مماثلة، لكن هذه المرة في حق منصتي "إنستغرام" و"يوتيوب".

وعلى رغم أن التداعيات الكاملة لم تتضح بعد، فإنها ربما تكشف مع الوقت عن زلزال يضاهي سيل الدعاوى التي كبحت جماح عمالقة التبغ في تسعينيات القرن الـ20.
الأسبوع الماضي، أدانت هيئة المحلفين في المحكمة العليا بولاية كاليفورنيا كلاً من "يوتيوب" و"ميتا"، شركة وسائل التواصل الاجتماعي الضخمة المالكة لـ"فيسبوك" و"إنستغرام" و"واتساب"، وحملتهما المسؤولية عن الضرر الذي لحق بشابة تُعرف باسم "كي جي أم" (K.G.M)، جراء تصميمهما المتعمد لمنتجات مسببة للإدمان ومثيرة للضغط النفسي.

والأهم أن هذا الحكم يلتف فعلياً على الدرع القانونية التقليدية التي احتمت بها شركات التكنولوجيا الكبرى طوال عقود من الزمن بغية صد مثل هذه الدعاوى، والمعروفة باسم "المادة 230".

وقال جوزيف فان زاندت، أحد محامي "كي جي أم": "على مدى أعوام، حققت شركات التواصل الاجتماعي الأرباح من طريق استهداف الأولاد، بينما أخفت السمات الإدمانية والخطرة الكامنة في تصميمها".

وأضاف زاندت: "إن حكم اليوم بمثابة استفتاء، من هيئة محلفين إلى قطاع برمته، على أن المساءلة قد أصبحت واقعاً".

وكي نكون واضحين، فإن حجم التعويضات في هذه القضية، على ضخامته بالنسبة إلى "كي جي أم"، يظل هامشياً بالنسبة إلى شركات بهذا الحجم الهائل.

فقد أُلزمت "ميتا" بدفع 4.2 مليون دولار كتعويضات عقابية وتعويضية مجتمعة (ما يعادل نحو 0.02 في المئة من أرباحها السنوية البالغة 22.7 مليار دولار)، ويجب على "يوتيوب" دفع 1.8 مليون دولار (أي ما يزيد قليلاً على 0.005 في المئة من أرباحها البالغة 34.5 مليار دولار العام الماضي). ولكن هذه المبالغ، في حد ذاتها، لا تكفي لإثارة ذعر المحاسبين في ردهات هذه الشركات.

غير أن قضية "كي جي أم" ليست سوى غيض من فيض، إذ رُفعت آلاف الدعاوى المماثلة في شتى أنحاء البلاد من مراهقين وأولياء أمور ومناطق تعليمية وحكومات ولايات.

وسيترك الحكم أثراً بارزاً، لا سيما في كاليفورنيا حيث تنظر المحاكم إلى هذه القضية بوصفها سابقة قضائية يُقاس عليها. وعند تعميم هذه التعويضات بالتبعية على آلاف القضايا الأخرى، ستصل الأرقام سريعاً إلى مستويات تجبر حتى الشركات التي تقدر قيمتها بالتريليونات على التنبه والحذر.

وفي سياق موازٍ، خلصت هيئة محلفين أخرى في نيو مكسيكو الثلاثاء الماضي، إلى أن منصات "ميتا" تضر بالصحة النفسية للأطفال، وفرضت غرامة أكبر بأشواط بلغت 375 مليون دولار.

وتشير هذه القضايا مجتمعة، بحسب أستاذة القانون في "جامعة كورنيل"، ألكسندرا لاهاف، إلى موجة متصاعدة من الدعاوى القضائية التي تتجه نحو عمالقة التكنولوجيا، مثل كرة ثلج تتدحرج وتزداد حجماً.

وكتبت لاهف على منصة "بلوسكاي" بعد صدور حكم الأربعاء الماضي إن "موجة التقاضي المتعلقة بأضرار وسائل التواصل الاجتماعي ستبلغ حجماً مهولاً غير مسبوق". وأضافت: "ستصل إلى مستوى قضايا "الأسبستوس" asbestos، أو حتى تتجاوزه". [يُذكر أن الأسبستوس مادة ليفية خطرة ومسرطنة، تسبب أكثر من 200 ألف وفاة سنوياً عالمياً بسبب التعرض المهني، وتؤدي إلى أمراض رئوية مزمنة مثل التليف وسرطان الرئة].

وتابعت قائلة: "تخيلوا القضايا المتصلة بالمواد الكيماوية "البيرفلوروألكيل والبولي فلوروألكيل" PFAS ومبيد "راوند أب" وسدادات الأذن مجتمعة"، في إشارة إلى موجات التقاضي السابقة التي طاولت مواد كيماوية "أبدية" ومبيدات أعشاب مسرطنة وسدادات أذن تالفة، "ثم اضربوا ذلك كله في ثلاثة".

"هندسة الإدمان"
على مدى عقود، ادعت عمالقة التكنولوجيا أنها تتمتع بحماية شاملة من هذا النوع من الدعاوى بموجب المادة 230 من قانون آداب الاتصالات.

وعلى رغم الجدل المحتدم حولها، تظل المادة 230 الركيزة القانونية للإنترنت الحديثة، إذ تتيح للشركات والأفراد استضافة المحتوى الذي ينشئه المستخدمون، بل والأهم من ذلك، تنظيمه والإشراف عليه، من دون أن يتحملوا المسؤولية القانونية عن مضمونه.

وهذا ما يمنح شركات التواصل الاجتماعي صلاحية وضع قواعدها الخاصة وحذف المنشورات المخالفة، من دون أن تعتبر قانونياً الجهة الناشرة لتلك المنشورات. فلو وجّهتُ اتهاماً كاذباً بالتشهير في هذا المقال، يمكن مقاضاة "اندبندنت" بتهمة التشهير، أما إذا وجّهتَ أنت اتهاماً مماثلاً في التعليقات، فإن "المادة 230" تكفل حمايتنا.

ولكن، هل تمتد هذه الحماية لتشمل الأنظمة التي تعتمدها هذه الشركات في توزيع المحتوى؟ وهل تحمي كل الحيل النفسية وآليات الإغراء التي تستخدمها لإبقاء مستخدميها في حال تصفح مستمرة، ودفعهم إلى العودة يومياً إلى هذه المنصة أو تلك؟

جاء رد محامي "كي جي أم" قاطعاً: لا، فقد عرضوا وثائق داخلية كشفت أن المسؤولين التنفيذيين في الشركتين كلتيهما قد أُحيطوا علماً بالآثار التدميرية لمنتجاتهم، وتلقوا تحذيرات من أن سياساتهم تُلحق الضرر بالأطفال.

مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة "ميتا"، مغادراً المحكمة العليا في لوس أنجليس بعد الإدلاء بشهادته في 18 فبراير 2026، ضمن قضية "كي جي أم" (غيتي)
مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة "ميتا"، مغادراً المحكمة العليا في لوس أنجليس بعد الإدلاء بشهادته في 18 فبراير 2026، ضمن قضية "كي جي أم" (غيتي)

وجاء في إحدى المذكرات الداخلية لـ"ميتا": "إذا أردنا جذب فئة المراهقين، فعلينا استقطابهم وهم في سن ما قبل المراهقة. كذلك كشفت وثيقة أخرى أن الشركة كانت تدرك أن أولاداً في الـ11 يستخدمون "إنستغرام" بانتظام، على رغم قواعدها التي تشترط ألا يقل العمر عن 13 سنة.

وكانت "كي جي أم" واحدة من هؤلاء، إذ أدلت بشهادتها أمام المحكمة موضحة أنها بدأت استخدام "يوتيوب" في السادسة من عمرها و"إنستغرام" في الـ11. وقالت إن إدمانها القهري للتطبيقين قد نال من ثقتها بنفسها، وعزلها عن أصدقائها وعائلتها، وأسهم في إصابتها بالاكتئاب واضطراب تشوه صورة الجسد.

وقال محامي "كي جي أم" مارك لانيير: "كيف تجعل طفلاً لا يترك هاتفه أبداً؟ هذا ما يسمى هندسة الإدمان".

في المقابل، ردت الشركتان بأن حياة "كي جي أم" كانت مليئة بمشكلات أخرى عدة، مشيرتين إلى أن معالجتها النفسية لم توثق أبداً وسائل التواصل الاجتماعي كسبب لمعاناتها النفسية. وأكدتا أن إلقاء اللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في مشكلات مجتمعية أوسع هو طرح خاطئ وينطوي على تبسيط مخل.

لكن، ومن دون مواربة، من السهل أن نفهم لماذا لم تقتنع هيئة المحلفين بهذا الدفاع. فعلى رغم أن "ميتا" و"يوتيوب" ليستا منبع كل آفات المجتمع، ثمة أدلة تمتد أعواماً تكشف كيف آثر كبار المسؤولين التنفيذيين مراراً أرقام النمو والأرباح على حساب الأمان والسلامة والحد من الأضرار.

فمعظمنا استخدم "إنستغرام" و"يوتيوب"، وأدركنا من واقع تجربتنا مدى قدرتها الفائقة على التغلغل في كيمياء الدماغ. كذلك يكابد كثير من الأميركيين أيضاً لانتزاع أطفالهم من براثن أنظمة رقمية تبدو وكأنها صُممت بدقة متناهية للإيقاع بأدمغتهم في شراكها إلى الأبد.

وقال متحدث باسم "ميتا" إن الشركة "تعارض الحكم مع كامل الاحترام" وتعمل على تقييم خياراتها. ومن جانبها، رأت "غوغل" أن القضية "أساءت فهم" طبيعة "يوتيوب"، مؤكدة أنه "منصة بث صُممت بمسؤولية، وليس موقعاً للتواصل الاجتماعي".

ولا تتوقف تبعات هذا الحكم عند هاتين الشركتين، فقد ورد اسما "تيك توك" و"سناب تشات" أيضاً في القضية، قبل أن يلجآ إلى التسوية خارج أروقة المحاكم.

كل ذلك قد يتغير في الاستئناف
في الواقع، كثيراً ما تجاهلت "ميتا" و"غوغل" غرامات بمليارات الدولارات من قبل. ولكن ثمة مساراً مستقبلياً متوقعاً، قد تصبح فيه المشكلات القانونية مكلفة بما يكفي لإجبارهما على إعادة هندسة منتجاتهما بجدية.

وقال كلاي كالفرت، متخصص في قانون الإعلام في معهد "أميركان إنتربرايز" ذي التوجه اليميني الوسطي، لـ"نيويورك تايمز": "أمامنا طريق طويل، ولكن هذا القرار يحمل أهمية بالغة".

وأضاف "وإذا ما تتابعت الأحكام لصالح المدعين، فإن ذلك سيضطر الجهات المدعى عليها إلى إعادة النظر في كيفية تصميم منصات التواصل الاجتماعي، وفي طريقة إيصال المحتوى إلى القاصرين".

غير أن تلك النتيجة ليست مضمونة على الإطلاق. فقد سبق لكثيرين أن تنبأوا بمثل هذه اللحظة الحاسمة، قبل أن تخبو سريعاً. وأنا نفسي كنت من بينهم، في عام 2017 (ما سمي "لحظة فيليب موريس") [في إشارة إلى موجة الدعاوى التي هزت شركات التبغ]، ثم في عام 2021 (ما سمي "لحظة ليمان") [في إشارة إلى الانهيار المفاجئ لبنك ليمان براذرز وما تبعه من تداعيات مالية واسعة].

وبحسب صحيفة "غارديان"، ثمة 20 محاكمة أخرى مقررة في هذا الصدد من فئة "القضايا الاختبارية" التي يُقاس عليها. وربما تأتي نتائج هذه المحاكمات مختلفة تماماً.

وقالت أستاذة القانون ومتخصصة السياسات الرقمية في جامعة "سانت جون"، كيت كلونيك، عبر منصة "بلوسكاي": "من المبكر حقاً تحديد مدى أهمية ما حدث، إذ من الوارد نقض ذلك كله في الاستئناف".

وأضافت "ربما تمر أعوام قبل أن يصبح هذا الحكم نهائياً، أو لا يصبح".

في الواقع، سيكون هذا السيناريو مشابهاً لما واجهته شركات التبغ الكبرى. بدلاً من حدوث "منعطف" واحد حاسم، استغرقت العملية قرابة أربعة عقود، من ستينيات القرن الـ20 حتى مطلع الألفية الثانية، قبل أن تخضع هذه الصناعة للقانون وترتدع عن ممارساتها.

حتى انتصار هوارد إنغل نُقض جزئياً في محكمة الاستئناف، مما قلص من نطاق الحكم وجعل الطريق أمام المدعين الآخرين في قضايا مماثلة أكثر ضيقاً.

ومع ذلك، سواء أكان الحكم صائباً أم خاطئاً، فإن قرارات هذا الأسبوع تمثل مؤشراً قوياً إلى أن صبر الأميركيين تجاه تبريرات وادي السيليكون قد نفد. ولو كنتُ مكانهم، لبدأت من الآن في ابتكار تبريرات جديدة.








طباعة
  • المشاهدات: 12422
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
03-04-2026 02:41 PM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضا

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم