حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الأحد ,29 مارس, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 6490

السردية الأردنية جامعة والوثيقة بداية القصة

السردية الأردنية جامعة والوثيقة بداية القصة

السردية الأردنية جامعة والوثيقة بداية القصة

29-03-2026 03:21 PM

تعديل حجم الخط:

سرايا - «السردية الأردنية.. الأرض والإنسان» مبادرة وطنية أطلقتها وزارة الثقافة، بتوجيهات ملكية سامية، لتوثيق المسار الثقافي والاجتماعي للأردن، وتعزيز الوعي بالهوية الوطنية والانتماء. يسعى المشروع إلى رواية حكاية الإنسان الأردني الذي تجذّر في أرضه، وأسهم في بناء دولته عبر محطات مفصلية من التاريخ، مستندًا إلى قيم الصمود والبناء والتنوع، ومؤكدًا شمولية الحكاية بوصفها قصة مجتمع لا نخبة فقط.

في سياق هذا المشروع الوطني، نحاور كوكبة من المبدعين الأردنيين، سعيًا إلى مقاربة دور الإبداع في تشكيل الوعي الجمعي، وقراءة موقع الكاتب داخل هذه السردية. ووقفتنا الآتية مع المؤرّخ محمد يونس العبادي، وهو متخصص في دراسة التاريخ الاجتماعي والثقافي للأردن. يمتاز بعمق تحليله للمصادر الوثائقية والوثائق التاريخية، ويهتم بكيفية تشكّل السردية الوطنية الأردنية عبر الزمن، من خلال رصد مسارات الأرض والإنسان.

كيف تفهم مفهوم «السردية الأردنية» خارج الإطار التعريفي الرسمي؟ هل تراها رواية جامعة، أم فسيفساء من الروايات المتجاورة؟

- بدايــة، فإن مفهوم السردية بحاجة إلى أن نتفق عليه، فالسردية تعني برأيي، هي روايتنا عن أنفسنا، والأهم هي ما نريد أن يحكيه الآخر عنّا، أو هي قصتنا التي نريد أن نرويها عن ذاتنا.

ضمن هذه المفاهيم كلها، فالسردية ليست تاريخا وحسب، بل هي الصورة سواء أكانت المادية أم الذهنية عن الأردن، وعن الأردنيين تحديدا، وكيف صاغوا عبر سنواتٍ حضورهم، واستطاعوا أن يسخروا من هذا الحضور ما فيه نفع لأنفسهم أولاً، ولأمتهم ثانياً، وللإنسانية أيضاً، وأن يكونوا تصوراً عن أسلوبهم، وحياتهم، وتصور الآخر لها.

أما بالنسبة للرواية الجامعة، فحتماً يوجد رواية أردنية جامعة، خاصة وأن الأردنيين على مختلف مشاربهم، تشابكوا، وانصهروا، ويمكن قراءة الرواية من رموزها، فالأردنيون متفقون على رموزهم، الوطن، القيادة، العلم، وأيضا، الرواية الجامعة في عناصرها ذات الهموم، وذات مشاعر الفرح، ومن يقرأ تاريخ البلد يرى بأن كل المنعطفات التي مررنا بها كان الأردنيون منسجمون مع شعاراتهم، والعناوين التي جمعتهم سواء بانحيازهم إلى الفضاء العربي وقضاياه العادلة وعلى رأسها فلسطين، أو حتى يمكن بالقضايا الداخلية والمفصلية في إدارة اختلافهم بالرأي، وفي هذا الجانب بات لدينا قدرة عظيمة على إدارة الاختلاف، لا الخلاف ذاته.

ومن يطالع التاريخ الأردني، القديم حيث التناغم وعبقرية المكان وآثاره في مختلف مدننا وقرانا، والشواهد الماثلة إلى اليوم، أو تاريخ بلادنا في العصور الإسلامية، حيث كانت مقراً، لا ممر، وما تزال أضرحة الصحابة والشهداء إلى اليوم هي شواهد على أدوارٍ قدمها أهل هذه الأرض، أو تاريخنا المعاصر، فالأردنيون الأوائل، ساروا مع حركة التاريخ بالمنطقة، بل وتقدموا عليها سواء بخطابهم، أو ببذلهم، ومن أراد أن يرى قصة الأردنيين فليتأمل مواقفهم في البدايات مع اختيارهم الاستمرار في مشروع العروبة بعد معركة ميسلون عام 1920م، وإصرارهم على مبدأ الاستقلال، ووثائق التأسيس سواء بيان الملك المؤسس أو حتى إنشاء الإمارة، والاستقلال الأول عام 1923م، وهو يوم مهم في سيرتنا لأن الأردنيين بقيادة الملك المؤسس آنذاك وضعوا عنواناً للدولة، وانتزع من بريطانيا آنذاك اعترافاً رسمياً بحق تقرير المصير، وهو صحيح استقلال منقوص كما يوصف في الأدبيات التاريخية، في حين وصف الملك المؤسس الاستقلال عام 1946م، بأنه «الاستقلال الناجز» «الاستقلال التام»، ولكن الأول هو إعلان للعالم كان بأن «هنا الأردن» وهذا الإعلان عن الدولة، بقي مع التأكيد على ثوابتها، بالرغم من فترة الانتداب، وبالتوازي كان هناك مؤتمرات وطنية في مدن الأردن وقراه، وهي حتى اليوم، جزء من القصة لم يدرس جيداً، ومع التقادم لا نراه واضحاً في ذاكرتنا الجمعية على أهميته.

والتنوع هو مؤشر قوةٍ وحيويةٍ وحراكٍ داخل المجتمع من جهة مقدرته على استيعاب الآخر، لا تذويبه، ومنحه المقدرة على صوغ الجوامع وإدارة الاختلاف.. لا الخلاف، فالأردنيون بحكم الجغرافيا من طباعهم قبول الآخر...

أن يقف مشروعك الإبداعي داخل هذه السردية؟ هل تكتب من موقع الشاهد، أم الناقد، أم الباحث عن زاوية مختلفة؟

- الزاوية المختلفة هي أكثر ما نحتاجه اليوم، تحديداً الوثيقة الوطنية، التي من المستغرب غيابها في سياق التأريخ أو كتابة تاريخ الأردن، والارتهان إلى رواية الآخر عنّا، وإن ظهرت الوثيقة التاريخية في أي بحثٍ أو كتاب مثلاً، يكون حضورها خجولاً رغم أنها الأصدق، والأكثر تعبيراً، وهذا أمر لطالما حاولت التنبيه إليه، فنحن دولة بذاكرة، وشعب لديه من الروايات الشفوية الكثير بالمقابل، وما ترويه الوثائق الوطنية مثلا عن أحداث مهمة مثل التأسيس أو أدوارنا في فلسطين، أو حتى وثائقنا الإدارية التي تكشف جانباً من كيفية تسيير الدولة ليومياتها، لربما يصح فيه وصف وثائق لدولة الإنسان، والمثال الذي أطرحه دوما المشرف التربوي صياح الروسان ووثيقة تروي جانباً من العقلية الإدارية حين طلب خصم مبلغ من راتبه، نظير استخدامه هاتفاً عمومياً، وأيضا، في التقاليد للدولة وإعلان الاستقلال، ما كان حاضرا وترويه الوثائق هو صوت الناس، إذ جاء الاستقلال بناءً على طلب المجالس البلدية كونه الأكثر تمثيلاً للناس في تلك المرحلة، وفي هذا تعبير عن الناس وتمثيلهم في أبسط الوحدات الإدارية، وأيضاً، انتخابات المجلس التشريعي في عهد الإمارة، وهذا المجلس جرّت فيه نقاشات هامة كان يختزل في نقاشاته هموم أمة كاملة، أي الهموم والقضايا آنذاك .. وتحكي هذه الوثائق عن الخطاب العام لدى الأردنيين، ومساحات واسعة أفردت لقضايا كبيرة، هذا التاريخ فيه الكثير مما لم يدرس ويبوب وينشر ويصل بعد.

حتى أن أرشيفيات تلفزيوننا الوطني، وقبله الإذاعة هي وثائق مهمة بحاجة اليوم إلى أن تكون محل دراسة وبحث لأنها فيها يوميات الأردن، في لحظات مفصلية، بل يوميات الأردنيين، وسيرة التنمية في بلدنا. وفيها سردية حياة الناس (التاريخ الاجتماعي).

هل نجح الأدب الأردني، برأيك، في تحويل الأرض إلى دلالة، والإنسان إلى رمز يتجاوز اللحظة؟

- لقرى الأردن ومدنه صدىً في كثير من الأشعار، ولكن الغائب حتى اليوم هو الرواية الأدبية.. إن جاز لي القول، أن الأدباء في كثير من الأحيان لم ينصفوا الأردنيين بلداً وإنساناً، وبطبيعة الحال كدلالة. لربما نحتاج من أدباء الأردن.. ما هو أكثر.

المشروع يركز على «الإنسان الذي صنع التاريخ»؛ من هو هذا الإنسان في نصوصك؟ البطل؟ المهمّش؟ أم الصوت الصامت؟

- جميعهم صنعوا التاريخ، فالبطل إن أحسن وأدى دوره.. أخرج المهمش من حالة التهميش وحث من كان صامتاً على النطق، ونحن في هذا البلد لنا قصة باكرة.. فبالتعليم أخرجنا الكثير من قرانا ومناطقنا وأهلها بالطبع من حالة التهميش إلى حالة الحراك، والأردنيون باكراً أعلوا الصوت وتحدثوا عن أمانيهم ومارسوا الفعل السياسي والانتخابي.. فتاريخنا أبوابه واسعة وإنسانه بالفعل هو إنسان نشط بنى وعمّر وتعلم، وتجاوز شح الموارد، وصبر على ضيق ذات اليد، ولكن دون قنوط.. هل تخلو قرية أردنية من حكاية طالب درس الطب أو الهندسة أو غيرها من العلوم.. رغم ضيق الحال، الأردنيون طوعوا الظروف ولم تطوعهم الظروف.. صنعوا ماضيهم بل ويصنعون حاضرهم، ولكن لربما ما اختلف بين الأمس واليوم، هو أن الأجيال التي مضت كانت أقل شكوىً من أجيالنا المعاصرة.. وهذا أمر يدعو لأن نستدخل علوماً أخرى في قراءة مزاج الأردنيين.. نحتاج اليوم إلى دراسة سيسولوجية عن شخصية الفرد الأردني، أو الشخصية الأردنية!

كيف يمكن للإبداع أن يقترب من محطات مفصلية في تاريخ الأردن -مثل الثورة العربية الكبرى أو معركة الكرامة- دون أن يتحول إلى خطاب تقريري؟

- حين يكون الإحساس حقيقياً، يكون الإبداع حقيقياً.. لنتحدث بالأمثلة، وتحديداً الدراما واستحضار التاريخ.. لقد أبدعنا بمسلسل «وجه الزمان» مثلا، وروى هذا المسلسل جزءاً من قصتنا مع فلسطين وبذلنا لها، هنا الإبداع أصل للقصة أو للتاريخ.

أيضاً، في الشعر، كثير من القصائد روّت حكاية معركة الكرامة مثلاً.. ويترنم بها الأردنيين لليوم، بل حتى إن الأردنيين تغزلوا بسلاح الجيش في أغانيهم، كأنما تحول السلاح الشخصي في سيرتهم إلى سلاح الجيش فما زالوا يرددون لليوم «مرحى لمدرعاتنا»..

وفي الأدب.. هناك الرواية الأردنية عن عمّان مثلا رواية «أبناء القلعة» روّت جزءاً أو غاصت في تفاصيل الإنسان بالمدينة الناشئة عمّان.

هل يمكن أن تتعايش السردية الوطنية الجامعة مع سرديات الاختلاف والألم والاحتجاج، أم أن بعض الحكايات تُؤجَّل دائمًا؟

- من المفهوم أن تؤجل ملفات أو من المفيد أن تبقى في نطاق المختصين، فالتاريخ، تاريخ أي مجتمع، هو جهاز فيه الكثير من الأحداث، ومن الطبيعي أن يحدث خلاف في القراءات.. وكثير من المجتمعات تعالت على محطاتٍ من تاريخها حتى لا تغرق بالماضوية على حساب الحاضر.

ولكن، هناك توصيفات بحاجة إلى ضبطٍ في تاريخنا.. فنحن في المعظم كنا في حالة حوارات وإن تحولت بعضها إلى شكل من الاحتجاج، ولكنها جزء من سيرتنا، وبرأيي اليوم هناك نضج كافٍ لكي توثق بعض العناوين وتبحث وتصبح قيد الدراسة.. وهي برأي لا تتعايش بل تعيش في سيرتنا لأنها بطبيعة الحال جزء من حركة تاريخنا.

كيف نوازن بين الانتماء الوطني وحرية الكاتب في النقد والمساءلة؟

- النقد والمساءلة.. هما تعبيران في حالات كثيرةٍ عن الانتماء ومؤشر على الحرية، وجميعها عناصر من معادلة إن اختل عنصر فيها، لا تكون متوازنة، ولكن، النقد المطلوب اليوم هو النقد البناء، لا نقد المآرب أو المنطلق من أيديولوجيات تريد فرض أحكامها على الناس.. هنا تختل المعادلة، ونصبح ندور في فلك «المناكفة» أو البحث عن منصب أو التكسب من النقد.. ولكن هناك وعي جيد في الفضاء الأردني العام اليوم.. الأردنيون قادرون على الفرز.

في رأيك، ما الذي لم يُحكَ بعد في القصة الأردنية؟

- القصة كلها لم تُحكَ بعد.. وإن أجاز لي القارئ وراهنت على سعة صدره، فإنه يمكن القول إن هناك أميّة تاريخية لدينا اليوم، فنحن لا نقرأ التاريخ كي نفهم ذاتنا، ونروي قصتنا، نحن أحياناً نقرأه لأنه بكل بساطة مقرر في منهج دراسي أو جامعي.

لذا القصة لم تجمع بعد، وإن جمعت لم توثق من مصادرها كافة، حتى تحكى للناس، أو تحكى مثلاً لطالبةٍ لترويها على سمع أطفالها.. وهنا أذكر مثالاً عن قصة الضابط الأردني خضر شكري يعقوب حين صدح عبر الواسطة بصوتٍ جهوريٍ مؤمنٍ بقيم مؤسسة الجيش العربي، والجندية الأردنية.. قائلاً «الهدف موقعي».. هذه ملحمة بحد ذاتها، ولكنها في سياقٍ يعبر عن مؤسسة الجيش وقيمها، ولو بحثنا في أرشيفياتنا لوجدنا مئات الأمثلة.. نوثق أولاً ثم نحكي قصتنا.

إذا طُلب منك أن تكتب فصلًا موجَّهًا إلى الأجيال القادمة ضمن «السردية الأردنية»، ماذا سيكون عنوانه؟

- أفضل ما يعبر عن قصة الأردنيين هو «التعليم»، وكيف كابد الأردنيون ليتعلموا.. بنوا مدارسهم وجامعاتهم، بصبرٍ وأناةٍ واقتطعوا من أرزاقهم لأجل التعلم، وإن كان العنوان كبيرا، فإن الفصل الذي نحتاجه في تاريخنا هو قصة مدارسنا الأولى، وقصة طلابنا الأوائل فيها، التعليم في الأردن والتأريخ له بحاجة إلى أنسنة لا الدوران في فلك البيانات والإحصاءات وعد السنوات على تأسيس كل مدرسة.. بل هو فصل بحاجة إلى أن يكتب في سياقه، فما سبق التعليم وانتشاره، وما تخلله، وما بعده، لربما يمكن الكتابة تحت عنوان.. كيف تعلم وعلّم الأردنيون؟.. قصة العلم في بلدنا بحاجة لأن توثق لتروى.

كيف ترى دور الشباب في إعادة صياغة هذه السردية بلغة العصر الرقمي وتحولاته؟

- هناك محاولات.. ولكن الأهم أن هناك تعطش لدى جيل اليوم للتاريخ، ليس التاريخ المدرسي بالطريقة الجافة، بل التاريخ بأدواته، في الجامعات الغربية اليوم، هناك كليات تدرس التاريخ الرقمي، كي تعيد تشكيل الماضي في ذهنية جيل الحاضر، المحاولات جيدة ولكنها بحاجة إلى تعليم وتطوير في الأدوات.

بجملة واحدة: ما الذي يجب ألّا ننساه ونحن نكتب قصة الأردن؟

- الاعتزاز.. علينا أن نعتز بكل قصتنا، فنحن شعب صنع بعبقرية، وملوك الأردن بذلوا بإخلاص للبلد، علينا أن ننصف الأردن وقصته، فكثيرون وبخاصة أشقاء، كتبوا عنا دون أن ينصفونا.. للأسف.








طباعة
  • المشاهدات: 6490
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
29-03-2026 03:21 PM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضا

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم