30-11-2025 10:15 AM
سرايا - في هذا المقال المنشور على فورين أفيرز، يشرح مايكل كوفريغ، وهو كاتب ومُحلِّل جيوسياسي كندي، ودبلوماسي سابق، المشهد في المحيط الهادي الشاسع، الممتد من أقصى الشمال في ولاية ألاسكا الأميركية، إلى أقصى الجنوب حيث تقبع أستراليا وجرز المحيط المتناثرة حولها.
ويحاجج كوفريغ إلى أن صعود الصين بدأ يؤثر على موازين القوى في المنطقة، وأن صعود إدارة ترامب الثانية هو الآخر أدَّى إلى تراجع أولويات دول المحيط الصغيرة واحتياجاتها السياسية والاقتصادية والبيئية، مما يجعل استقرار المنطقة في مهب الريح.
ويقدم هذا المقال وجهة نظر "غربية" تجاه صعود الصين وتزايد نفوذها في منطقة المحيط الهادي. وفي إطار تغطيتنا للتحولات الجيوسياسية، فقد اخترنا ترجمة هذا المقال لأنه يقدم لمحة جيوسياسية حول تنامي التنافس الصيني الأميركي في منطقة المحيطين الهندي والهادي.
ومع ذلك، فإن بقاء توازن القوى الإقليمي أو انزلاقه نحو الصراع أمر يتوقَّف أيضا على الخيارات التي تُتَّخذ في دول جزر المحيط الهادي، وبواسطة تلك الجزر، وحيالها. وهي الدول الـ12 ذات السيادة مع عدد من الأقاليم التي تمتد أرخبيلاتها عبر المحيط الشاسع بين الفلبين وجزر هاواي.
ومنذ العقد الأول من هذا القرن الحالي، وسَّعت الصين حضورها في المنطقة باطراد، وقد انحازت معظم حكومات المحيط الهادي إلى العروض التي تُقدِّمها بكين سعيا وراء البنية التحتية والاستثمار، وكذلك النفوذ الذي تمنحهم إياه العلاقات مع الصين في تعاملهم مع شركاء آخرين.
وفي الوقت نفسه، عملت تلك الحكومات على حماية استقلالها وتعزيز رؤية "المحيط الهادي الأزرق" وهي رؤية لنظام إقليمي سلمي ومتماسك. لكن مع تعمُّق نفوذ الصين وازدياد الضغوط على المؤسسات الديمقراطية في الجزر، باتت هذه الرؤية مُهدَّدة بالتلاشي.
وفي ظل إدارة ترامب الأولى ثم إدارة بايدن، أدركت الولايات المتحدة متأخرة أن النفوذ الصيني إذا تُرك دون رادع قد يُقوِّض آليات إدارة المنطقة، بل وقد يُحوِّل بعض دول الجزر إلى دول تابعة لبكين. ومع مرور الوقت، يمكن أن يؤدِّي ذلك إلى شق الإجماع الإقليمي، وحرمان تايوان من حلفاء دبلوماسيين، وتعقيد جهود الردع الغربية في المحيط الهادي.
ولمواجهة هذه الدينامية، بدأت كلتا الإدارتين العودة للانخراط في المنطقة، وأطلقت إدارة بايدن إستراتيجية شراكة مع المحيط الهادي تشمل أجهزة الحكومة كافة، وتعهَّدت بتقديم مليار دولار من المساعدات على مدار 10 سنوات.
ولكن فيما بعد، اتخذت إدارة ترامب الثانية خطوات يرى كثير من قادة دول المحيط الهادي أنها تتجاهل مصالح بلدانهم. فمع إغلاق الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، خسرت الجزر مكتب الوكالة الإقليمي في فيجي والذي كان يُشرف على البرامج في الدول الـ12 لجزر المحيط الهادي، كما جمَّدت الإدارة عشرات ملايين الدولارات من المساعدات الخارجية الأميركية للمنطقة.
وقد حاول حلفاء غربيون آخرون في المنطقة سد الفجوة، بما في ذلك أستراليا التي أعادت تخصيص 77 مليون دولار لصالح المحيط الهادي، لكن ذلك لن يكون كافيا لموازنة نفوذ بكين.
وفي الوقت نفسه، فرضت الولايات المتحدة رسوما جمركية شاملة تتراوح بين 10-15% على دولٍ في المحيط الهادي مثل فيجي وفانواتو وناورو، كما أن تجاهل الإدارة قضية تغيُّر المناخ يتعارض تماما مع أولويات سكان الجزر الذين يرون فيه تهديدا وجوديا، لا سيما الدول ذات الأراضي المنخفضة عن سطح البحر مثل كيريباتي وجزر مارشال وتوفالو. وحتى الآن، سعت جزر المحيط الهادي في معظمها إلى تجنُّب الاصطفاف الصريح مع الصين أو الولايات المتحدة وشركائها.
وفي اجتماع قادة منتدى جزر المحيط الهادي هذا العام في سبتمبر/أيلول -وهو تجمُّع سنوي لدول وأقاليم الجزر إلى جانب أستراليا ونيوزيلندا- خرجت عن التقاليد دولة الاستضافة، وهي جزر سليمان، ولم تدعُ أيَّ أطراف من خارج المنتدى. وكان السبب المباشر هو تجنُّب الجدل حول مشاركة تايوان التي تعارضها الصين في إطار حملة مستمرة لحرمانها من الاعتراف الدبلوماسي ومن أي دور ذي تأثير.
ولكن الاعتبار الأوسع كان يتمثل في تنامي حضور الصين في المنطقة، مما دفع بدوره الولايات المتحدة وقوى أخرى إلى التعامل مع الجزر على أنها أصول إستراتيجية أكثر منها شراكة ذوي السيادة. وفي محاولة لإدارة هذا المسار، أعلن المنتدى قواعد جديدة لتنظيم شراكات الدول الجُزُر مع القوى الخارجية، كما أصدر إعلانا رسميا للحفاظ على المنطقة خالية من العسكرة والإكراه الخارجي.
ولكي تتحول هذه المبادئ إلى واقع، يحتاج الشركاء الغربيون إلى بذل المزيد لمساعدة الجزر على حماية مؤسساتها الديمقراطية والدفاع عن سيادتها. وبالنسبة إلى الولايات المتحدة وحلفائها، سيكون من الضروري إيجاد طرق جديدة لمعالجة أولويات الجزر ومخاوفها، حتى في الوقت الذي يسعون فيه إلى موازنة نفوذ الصين.
أواخر القرن العشرين، كانت دول وأقاليم جزر المحيط الهادي تصطف مع القوى الاستعمارية السابقة وتعتمد عليها. ومع حصولها على الاستقلال أو على قدر أكبر من الحكم الذاتي، بنت نظاما إقليميا متعدد الأطراف يتمحور حول منتدى جزر المحيط الهادي، الذي أُنشئ عام 1971 لتنسيق السياسات ورفع صوت شعوب المحيط الهادي.
ومع مرور الزمن، ساعد هذا الإطار التعاوني هذه الجزر على رسم مصيرها بنفسها، إلى جانب شراكات واسعة مع الحكومات الغربية. غير أن الاهتمام الإستراتيجي الغربي بالجزر تراجع بعد نهاية الحرب الباردة، إذ انخفضت المساعدات، وتضاءل التمثيل الدبلوماسي، وأصبح الانخراط رفيع المستوى مُتقطعا.
وفي هذا السياق، رحَّبت معظم جزر المحيط الهادي بظهور الصين. ويُمكن تتبُّع طموحات بكين في المنطقة إلى السنوات الأولى من القرن الـ21، حين قام رئيس الوزراء آنذاك ون جيا باو بزيارة بارزة إلى فيجي عام 2006. ومنذ ذلك الحين، صاغت الصين إستراتيجية للمحيط الهادي تقوم على زيادة حضورها ونفوذها وضغطها تدريجيا، وقد أشار الرئيس شي جين بينغ شخصيا إلى أن المنطقة أصبحت أولوية بزيارتيْه إلى فيجي عام 2014 وبابوا غينيا الجديدة عام 2018.
وقد انكشف حجم طموح شي بعد 4 سنوات، حين حاولت بكين إقناع 10 من زعماء جزر المحيط الهادي بالانضمام إلى إطار عمل للتنمية والأمن تقوده الصين. ورغم أن هذا المشروع فشل في كسب الإجماع، واصلت الصين المضي قدما في نحو 50 اتفاقية ثنائية تُعمِّق التعاون في مجال المناخ، وتُعزِّز الروابط الثقافية والتعليمية، وتُوسِّع التجارة والاستثمار، وتُسهِّل عمليات رسم الخرائط البحرية الصينية والتعدين في قاع المحيط، وتؤسس للتعاون في مجالات إنفاذ القانون والأمن.
وبالنسبة للعديد من الجزر، كانت الفوائد الاقتصادية التي تجلبها الصين فورية وغالبا ما تكون ملموسة حرفيا، في صورة مشاريع بناء واسعة النطاق. وقد سَعَت بكين إلى تصوير استثماراتها في البنية التحتية، مثل أطول رصيف جنوب المحيط الهادي في لوجانفيل بفانواتو أو إعادة تأهيل مدرج في ولاية ياب في ميكرونيزيا، على أنها أعمال محمودة وبمثابة بناء للثقة.
تنظر الصين إلى جزر المحيط الهادي باعتبارها شبكة يمكن أن تدعم إستراتيجيتها الأوسع عبر مساحات شاسعة من المحيط (رويترز)
ولكن الصين لديها أيضا أجندة اقتصادية وعسكرية صريحة خاصة بها. فعبر تقييم المحيط الهادي كمنطقة ضعيفة النزاع نسبيا، تهدف بكين لأن تصبح قوة بحرية يُمكنها السيطرة على غرب المحيط الهادي، وتهميش الجيران الإقليميين، ومنع الولايات المتحدة من العمل كضابط توازن خارجي قد يردعها.
ولتعزيز هذه الرؤية للمحيط الهادي، يحتاج جيش التحرير الشعبي إلى الوصول إلى الموانئ والمدارج الجوية. وحتى الآن، لم يسعَ الجيش الصيني لإقامة قواعد عسكرية فعلية، والتي بلا شك تستدعي ردود فعل من الولايات المتحدة وغيرها من القوى الغربية. وبناء على ذلك، وعبر إنشاء البنية التحتية وتأجير منشآت لوجستية محتملة للاستخدام المزدوج على الجزر أو الاستثمار فيها، يمكن للصين أن تحصل على مواقع تمركز بطريقة أهدأ، وغالبا بموافقة محلية.
وحتى الآن، ركََّزت الجهات الصينية معظم اهتمامها على الولايات المتحدة الفدرالية لولايات ميكرونيزيا وفيجي وبابوا غينيا الجديدة وجزر سليمان وفانواتو. ولكن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال تجاهلها بقية الجزر.
ومن هذه الجهة، تنظر الصين إلى جزر المحيط الهادي باعتبارها شبكة يمكن أن تدعم إستراتيجيتها الأوسع عبر مساحات شاسعة من المحيط. ومع مرور الوقت، سيُمكِّن ذلك القوات الصينية والبحرية وسفن البحث من العمل الروتيني في المحيط الهادي الأوسط، ومياه القارة القطبية الجنوبية، ونهاية المطاف في الممرات المؤدية إلى أميركا الشمالية والجنوبية.
أشار الباحثان العسكريان أندرو إريكسون وجويل ووتنو إلى أن المحللين الصينيين تبنّوا المفهوم الأميركي لسلاسل الجزر المتتابعة الممتدة من الشمال إلى الجنوب عبر المحيط الهادي. ومن منظور بكين، تعمل هذه السلاسل الثلاث من الجزر منصات انطلاق لعمليات الانتشار العسكري الغربية، ومؤشرات لمدى قدرة جيش التحرير الشعبي على بسط نفوذه في المنطقة، وخطوطا غربية للدفاع والاحتواء يتوجَّب على الصين كسرها.
وحتى الآن، تركَّز معظم الاهتمام الدولي على سلسلة الجزر الأولى، الممتدة على طول ساحل آسيا من جزر الكوريل مرورا باليابان وتايوان والفلبين وصولا إلى بورنيو (التي تتقاسمها ماليزيا وإندونيسيا)*. ومنذ عام 2012 تقريبا، عندما تولى شي السلطة وأصبحت الصين أكثر جرأة في المحيط الهادي، كثَّفت بكين بشكل متواصل وجودها العسكري في مضيق تايوان، وادَّعت السيادة البحرية على أجزاء واسعة من البحار ضمن هذه السلسلة، رغم الأحكام الدولية المخالفة لذلك.
ومع ذلك، أصبحت سلسلة الجزر الثانية، حيث تقع العديد من جزر المحيط الهادي أيضا، ساحة اختبار جيوسياسية هي الأخرى. ويمتد هذا القوس الواسع من شمال المحيط الهادي (شرقي اليابان)* مرورا بميكرونيزيا وملانيزيا، وهي منطقة تتصادم فيها مصالح الغرب مع قدرة الصين الناشئة على بسط قوتها عبر المحيط الهادي. وتمُر طرق البحر جنوب المحيط الهادي، التي تربط آسيا بأستراليا، عبر بابوا غينيا الجديدة وجزر سليمان، مما يجعل لهذين البلدين أهمية إستراتيجية لأستراليا ونقاط ضغط محتملة بالنسبة لبكين.
أما السلسلة الثالثة فتمتد نظريا من جزر أليوت (التابعة لولاية ألاسكا أقصى شمال المحيط الهادي)*، ثم عبر هاواي وجزر لاين في كيريباتي ثم بولينيزيا الفرنسية. وحتى الآن، لا تمارس بكين نفوذا مباشرا هناك، لكن هناك مؤشرات على اهتمام صيني جديد بجزر مرجانية مثل كانتون وكيريتيماتي وهاو، وهو اهتمام يشي بطموحات طويلة الأمد.
ومثلما تُعَد تايوان وهاواي روابط دفاعية حاسمة للولايات المتحدة وحلفائها في سلسلتي الجزر الأولى والثالثة، تُعتبر غوام الإقليم الأميركي غير المُدمَج (وغير المأهول بالسكان)* الحلقة المحورية للردع الأميركي في السلسلة الثانية، مما يتيح للقوات الأميركية الاستجابة بسرعة لأي طارئ عسكري بالسلسلة الأولى. ولكن على مدار العقد الماضي، أدخل الجيش الصيني صواريخ باليستية متوسطة المدى مثل "دي إف 26″ التي يُلقبها البعض بـ"قاتل غوام" والقادرة على ضرب غوام وغيرها من جزر السلسلة الثانية.
وفي سبتمبر/أيلول الماضي، عَرَضت بكين أيضا صواريخ فرط صوتية جديدة تزعم وسائل الإعلام الصينية أنها قادرة على "اختراق" سلاسل الجزر في المنطقة. وردا على ذلك، سعت القوات الأميركية إلى تعزيز وتوزيع وتفريق أصولها على نطاق أوسع في المحيط الهادي، لا سيما بتوسيع المطارات في جزر ماريانا الشمالية وميكرونيزيا. وقد زاد هذان التطوران من مخاوف جزر المحيط الهادي، ومن احتمال أن تتحول إلى قواعد انطلاق أميركية، ومن ثمَّ إلى أهداف محتملة للصين.
ولترسيخ نفوذها المتنامي، حاولت بكين بناء علاقات رسمية وحضور ملموس في جميع جزر المحيط الهادي. فمنذ عام 2019، حوَّلت كيريباتي وجزر سليمان وناورو اعترافها الدبلوماسي من تايوان إلى الصين، وتتبقى الآن جزر مارشال وبالاو وتوفالو فقط مُحتفظة بروابطها مع تايوان بوصفها مُمثِل "الدولة الصينية" رغم الضغوط المستمرة من بكين.
وبالنسبة للصين، فإن دفع تايوان خارج المنطقة وترسيخ أصولها الخاصة فيها يُشكِّل جزءا من هدفها الأكبر للسيطرة على الممرات البحرية للسلسلة الأولى، والقدرة على منع وإعاقة العمليات العسكرية واللوجستية الغربية بين السلسلتيْن الأولى والثانية، وتطوير قدرات بحرية عميقة لتشتيت الولايات المتحدة في السلسلة الثالثة.
وعلى أطراف المحيط الهادي، الذي يسميه صانعو السياسة في بكين "الهامش الأكبر للصين" يعمل الجيش وخفر السواحل الصينيان على تعزيز عمليات المراقبة وجمع المعلومات الاستخبارية وبسط القوة السريع، وغالبا باستخدام أساليب "المنطقة الرُمادية" (Grey Zone Tactics) (وهي حالة تنتهج فيها الدول تحرُّكات صدامية لتغيير موازين القوى، دون الانخراط في حرب كاملة)*. وعلى سبيل المثال، قامت سفن البحث الصينية باستكشاف مياه ميكرونيزيا، كما وسَّعت السفن الحربية من نشاطات الدبلوماسية الدفاعية.
وقد زارت مدمرات البحرية التابعة للجيش الصيني فانواتو وتونغا عام 2024، وفي اختبار نادر للصواريخ أطلقت قوات الصواريخ التابعة صاروخا باليستيا عابرا للقارات جنوب المحيط الهادي. وفي فبراير/شباط الماضي، أبحرت مجموعة مهام بحرية صينية حول أستراليا، وأجرَت تدريبات إطلاق حية في بحر تَسمان. ويرى محللون أستراليون أن هذه التحركات تمثل عروضا صريحة لقدرة الصين المتنامية على ممارسة الضغوط على أستراليا.
ويخشى مسؤولو جزر المحيط الهادي من دوامة التصعيد العسكري، ولسبب وجيه، ففي حالة وقوع صدام بين الصين وتايوان، تشير عدة سيناريوهات للتدريبات الحربية إلى أن الجيش الصيني قد يسعى لعرقلة التدخل الغربي باستهداف المواقع العسكرية، وقطع الكابلات البحرية، وتعطيل النقل على طول السلاسل الجزرية وبين بعضها البعض. وقد تكون العواقب على جزر المحيط الهادي كارثية، لا سيما إذا تزامنت المعارك مع إحدى الكوارث الطبيعية المتكررة في المنطقة.
إلى جانب تزايد وجودها العسكري في المنطقة، تسعى بكين لأن تصبح المُزوِّد الأبرز للخبرات والمعدات والتدريب في مجال الأمن الداخلي، حيث تعمل وزارة الأمن العام الآن مع قوات الشرطة في فيجي وكيريباتي وجزر سليمان وفانواتو، بينما يُقدِّم الملحقون العسكريون التابعون للجيش الصيني مساعدات مماثلة لجيوش فيجي وبابوا غينيا الجديدة وتونغا.
وقد سجَّل خفر السواحل الصيني مؤخرا 26 سفينة لدى لجنة مصائد الأسماك غرب ووسط المحيط الهادي، وهي هيئة حكومية دولية تعزز الصيد المستدام، مما يؤكد هدف بكين في أن تصبح رائدة في إنفاذ القوانين بالبحار المفتوحة. ويخشى خبراء الأمن وحقوق الإنسان أن توفر هذه الأنشطة لبكين وسيلة لنشر الاتجاهات الاستبدادية وتسييس الدفاع وإنفاذ القانون.
وفي نشاطها الدبلوماسي والاقتصادي، تنافس الصين بالفعل الولايات المتحدة وتضيق الفجوة تدريجيا مع أستراليا. وحتى الآن، لا تزال كانبيرا تمتلك أكبر عدد من المسؤولين العاملين في شؤون دول المحيط الهادي وتعد المانح الرئيسي لها.
ولكن كجزء من إستراتيجية الصين الشاملة لتعزيز الروابط، استضافت بكين زيارات رسمية متكررة لقادة الجزر وجمعت مسؤوليها عدة مرات، وقدَّمت مِنحا دراسية وبرامج تبادل ثقافي، وأرسلت مستشفى عائما وفرقا طبية تابعة للجيش الصيني، وقد بدأت هذه الجهود في تشكيل الانطباعات بالمحيط الهادي.
وكل دول جزر المحيط الهادي التي اعترفت دبلوماسيا ببكين انضمت أيضا إلى مبادرة الحزام والطريق، بما في ذلك أحدثها كوك التي وقعت اتفاقية شراكة إستراتيجية شاملة في فبراير/شباط الماضي، مما أثار قلق المسؤولين في نيوزيلندا شريكها الدستوري والضامن الإستراتيجي لها.
وتعمل هذه الاتفاقيات على نسج شبكة جديدة من العلاقات الاقتصادية والسياسية، مما دفع الشركاء الغربيين التقليديين إلى تعزيز نفوذهم. وقد ردَّت أستراليا بسلسلة من المبادرات، بما في ذلك معاهدة دفاع متبادل مهمة مع بابوا غينيا الجديدة وُقِّعَت في أكتوبر/تشرين الأول هذا العام، وتقول وزيرة الخارجية بيني وونغ إن بلادها في "حالة تنافس دائم".
وباتت التجارة والتمويل والمساعدات التنموية تربط معظم جزر المحيط الهادي بالصين. وأصبحت بعض الدول، مثل تونغا، تعتمد بشكل متزايد على القروض الصينية.
وتهيمن شركات الهندسة الصينية على قطاعات البناء أيضا، إذ إن عددا من المؤسسات الصينية صارت لاعبا رئيسيا في اقتصادات الجزر. ورغم أن بعض السكان والمراقبين ينتقدون القروض والمشاريع الصينية بوصفها غير مناسبة أو غير مستدامة أو مشوبة بشروط خفية، فإن الرأي العام في معظم هذه الدول يرى أن الصين تُقدِّم نتائج ملموسة، وعادة بسرعة أكبر وبيروقراطية أقل مقارنة بمنافسيها من الغرب.
ومع ذلك، غالبا ما تنطوي هذه الاتفاقيات والمشاريع على فساد واسع النطاق. ففي جزيرة تلو الأخرى، يزعم سياسيون وممثلون من المجتمع المدني وصحفيون ومحللون أن المصالح الصينية استخدمت الرشوة وحوافز غير أخلاقية أخرى.
كما يحذر المحللون الإقليميون من أن الصين تستهدف نخب الجزر بحوافز مالية وسياسية هائلة مقابل دعم تفضيلاتها الإستراتيجية. وقد تجسَّد ذلك بالفعل في تغيُّر أنماط التصويت للدول الـ12 بجزر المحيط الهادي في الجمعية العامة للأمم المتحدة.
ومثلا، وبشأن القرارات التي اختلفت فيها الصين والولايات المتحدة عام 2000، كانت أصوات جزر المحيط الهادي تتماشى مع الصين بنسبة 54% فقط. لكن بحلول عام 2024، ارتفعت هذه النسبة إلى 86%. وللإنصاف، فإن هذا الدعم للصين يُعزى جزئيا على الأقل إلى إحباط هذه الدول من شركائها الغربيين بسبب فشلهم في توفير التمويل المناخي والبنية التحتية الحيوية، إلا أنه يُوضِّح مدى سرعة اكتساب الصين النفوذ.
يدرك العديد من قادة جزر المحيط الهادي اليوم ما هو على المحك في مساعي الصين لجذب المنطقة إلى مدارها. فرغم الفوائد الملموسة، يطرح الانخراط مع بكين تهديدات جديدة للحكم والاستقرار السياسي والاستدامة البيئية والأمن القومي والتوافق الإقليمي، وربما حتى تقرير المصير.
ويبدو أن هناك علامات واضحة على تأثُّر المعايير والمؤسسات في منطقة المحيط الهادي، التي تُلزِم النخب بالمساءلة، وتضمن سيادة القانون، وتحافظ على استقلالية وسائل الإعلام، ناهيك عن الفجوة الهائلة في الحجم التي تواجهها الجزر مقارنة ببكين، حيث يبلغ عدد سكان الصين 1.4 مليار نسمة مقابل 14 مليونا مجتمعة لجزر المنطقة، مما يشي بخلل شديد في ميزان القوى.
ويُصِرُّ شعوب المحيط الهادي على أن جزرهم ليست مجرد حلقات في سلاسل إستراتيجية، ويُوضحون أنها تُشكِّل مجتمعا فريدا يتمتَّع بالحكم الذاتي وله الحق في تحديد رؤيته ومصيره الخاص. وقد أكدوا على أولوياتهم، مثل مواجهة تغيُّر المناخ، وتعزيز التنمية المستدامة، والتعامل مع تهديدات الأمن غير التقليدية، وذلك عبر مبادرات مثل إعلان بوي (Boe) للأمن الإقليمي الصادر عن منتدى جزر المحيط الهادي، وإستراتيجية عام 2050 لقارة المحيط الهادي الزرقاء، والآن إعلان محيط السلام الذي اعتمده المنتدى في سبتمبر/أيلول الماضي.
ومع ذلك، في مواجهة النفوذ الصيني المتنامي باستمرار، لن تنجح الجهود التي يقودها سكان المحيط الهادي إلا بدعم ثابت من الخارج. ومن الخطوات الإيجابية أن يعتمد الكونغرس الأميركي قانون الشراكة مع المحيط الهادي، وهو تشريع يُلزِم واشنطن بوضع إستراتيجية رسمية لجزر المنطقة، مما يُسهِم في زيادة التمويل الأميركي بانتظام وموثوقية أكبر، وتعميق التعاون بشأن التحديات البحرية والأمنية، وتحسين التنسيق مع الشركاء الآخرين. ويُعدُّ تنفيذ مثل هذه الإستراتيجية إشارة قوية على التزام الولايات المتحدة تجاه المنطقة.
ويمكن للولايات المتحدة أن تبني نموذجا أفضل للتفاعل يعترف بمصالح الجزر نفسها، وفي الوقت ذاته يعزز الأمن القومي الأميركي. فمصالح أميركا وجزر المحيط الهادي متوافقة بالفعل في السعي لردع أي نزعة عدوانية في المنطقة من جانب الصين. لكن للحفاظ على هذه القدرة الرادعة، يجب على الولايات المتحدة وشركائها الاعتراف بالهموم السياسية والاقتصادية والبيئية والاجتماعية للجزر نفسها، إذ إن دعم سيادة الجزر ومؤسساتها الديمقراطية، والتعامل بصدق مع مصالحها، ليس مفيدا لشعوب المحيط الهادي فحسب، بل أيضا وسيلة فعَّالة من حيث التكلفة لواشنطن وحلفائها للحفاظ على التوازن الهش الذي يجعل المحيط الهادي منطقة سلام كما يوحي اسمها.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
30-11-2025 10:15 AM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||