حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الإثنين ,21 أكتوبر, 2019 م
طباعة
  • المشاهدات: 20136

الإحتكار المقيت للمناصب يُعَد من أسوأ أشكال الفساد

الإحتكار المقيت للمناصب يُعَد من أسوأ أشكال الفساد

الإحتكار المقيت للمناصب يُعَد من أسوأ أشكال الفساد

10-07-2019 12:04 PM

تعديل حجم الخط:

بقلم : بسام الكساسبة
يعتبر الإحتكار The Monopoly سواء في تجارة السلع والخدمات، أو في إدارة شؤون الدول نهجاً متخلفاً ومرفوضاً أخلاقيا ومادياً واقتصاديا، فهو مرفوض في ديننا الإسلامي الحنيف، ومرفوض في شرائع الدول وخصوصاً المتطورة اقتصادياً منها كالولايات المتحدة الأمريكية والمانيا واليابان وغيرها، حيث تتخذ في الدول المتقدمة اقتصادياً وصناعياً إجراءات عقابية صارمة ضد المحتكرين، إذا ما نتج عن ممارساتهم التجارية إلحاق ضرر بمنتجين آخرين ومستهلكين، فقد فرض القضاء الأمريكي عدة مرات غرامات مالية بمئات ملايين الدولارات على شركات أمريكية كبرى مثل مايكروسوفت وأبل مكنتوش، نتيجة لممارسات إحتكارية إرتكبتها إحداهما بحق الأخرى، حتى إن نجاح الشركات التكنولوجي والتصنيعي والتسويقي لا يبرر لها الإحتكار، ولما كان الإحتكار مرفوضاً في تجارة السلع والخدمات، فهو مرفوض في إدارة شؤون الدول ومصالحها العامة، ففي الديموقراطيات العريقة تحدد فترة لمكوث المسؤول في منصبه حتى لو كانت إنجازاته غاية في التميز والنجاح، فلا يسمح مثلاً لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية إشغال منصبه أكثر من ثمان سنوات، كما يباشرالرئيس بعد وصولة لمنصبه الرئاسي بتغيير غالبية الطواقم القيادية في الوزارات وفي القضاء والجيش والإستخبارات والأمن والسفارات وممثلي الدولة في المنظمات الأممية،وغيرها وكذلك الحال في بريطانيا وفرنسا والمانيا واليابان وغيرها من الدول الديموقراطية.

اما لدينا في الأردن فالحالة مختلفة جذرياً، فلم يكف سوء إختيار كبار المسؤولين لإشغال المناصب العليا في الوزارات والدوائر والمؤسسات والشركات العامة، بل وزيد على الطين بلة، حينما تبرز بقوة ظاهرة إحتكار المناصب العليا، من قبل شريحة من الأشخاص أمتهنت وأتقنت فنون هذا الإحتكار السيء والمقيت، إحتكار لوظائف الوزراء والسفراء والأمناء والمدراء العامين، وعضويات مجلس الأعيان، ورئاسة وعضويات مجالس إدارة المفوضيات والسلطات والمؤسسات العامة، والإدارات التنفيذية في البنوك والشركات المساهمة العامة والشركات الحكومية، ورئاسة الجامعات وعضويات ورئاسة مجالس أماناتها، وفي مناصب مؤسسات إدارة راس المال الوطني كالبنك المركزي وهيئة الأوراق المالية وبورصة عمان وغيرها، هذه المناصب التي يتنقل بينها شريحة محددة من الأشخاص، بل وأصبح البعض منهم يجمع بين يديه أكثر من راتب وأكثر من منصب في نفس الوقت، فقد يحصل الشخص الواحد منهم على راتب تقاعدي وربما تقاعد وزاري حكومي عن خدمة بضعة أشهر كوزير، وراتب تقاعدي أخر من الضمان الإجتماعي، ومكافئة عن عضويته في مجلس الأعيان ومكافاة عن عضويته في مجلس ادارة شركة مساهمة عامة تساهم بها الحكومة، وأخرى عن عضويته في مجلس أمناء جامعة رسمية أو أهلية، مع أن الكثيرين من هؤلاء غير مؤهلين ليس لإشغال أي من تلك المناصب منفردة او مجتمعة، بل وغير مؤهل لاشغال عضوية مجلس قروي، وفي حالات كثيرة يمضي الكثيرون من هؤلاء (العباقرة)عقوداً من الزمن في إشغال المناصب، والشواهد على ذلك كثيرة، والأسوأ من ذلك إنه لكي تضمن هذه الشريحة استمرارية إحتكارها للمناصب فقد سلكت نهجاً إدارياً سيئاً وذميماً يتمثل بعملها على إغلاق الباب في وجه العناصر الأكثر كفاءة منها في إدارة الشأن العام.

وهناك شكل أخر من الإحتكار مرتبط بالحالة الأولى وهي إحتكار المناصب من خلال توريثها للأبناء والاقارب والأنسباء، وكأن المناصب العامة هي ملكيات أو عقارات خاصة تنتقل ملكيتها من الأباء الى الورثة من الأبناء والأقارب والأنسبا، حيث تمت تعيينات في السنوات الأخيرة بالجملة لأبناء وأقارب مسؤولين في المناصب العليا، هذه التعيينات التي تشكل إهانة بالغة للوطن ولأبنائه ولمؤسساته العامة.

لقد دفع وطننا ثمناً غالياً نتيجة لظاهرة إحتكار المناصب وإسدائها لشلل غير مؤهلة لإشغالها، بدليل هذه الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الحادة التي تعاني منها بلادنا، هذه الظاهرة المقيتة التي تشكل حالة من الفساد المزدوج بل المركب، فساد متمثل بالإحتكار ذاته المرفوض في الشرائع الدينية وفي شرائع الدول المتطورة والمنظمات الأممية، وفساد ثاني متمثل بالفشل الذي تلحقه العناصر الفاشلة المحتكرة بمسيرة الوطن التنموية التي تراجعت كثيراً في العقدين الأخيرين، وفساد ثالث ناتج عن إنتهاك مبدأ العدالة الإجتماعية حينما تتاح امتيازات مالية ضخمة لشريحة فاشلة من محتكري المناصب، وفساد رابع متمثل بتورث المناصب العليا لأبنائهم وأقاربهم، وفساد خامس متمثل بتجذير وترسخ سلوكيات إدارية سيئة وضارة داخل مؤسسات الوطن العامة يغذيها وينميها هؤلاء المحتكرون.

نحتاج في وطننا الغالي لكسر ظاهرة إحتكار المناصب، وإخراجها من قبضة ومخالب محتكريها، فتحقيق التقدم ونجاح وزاراتنا ومؤسساتنا العامة وشركاتنا الحكومية، والشركات المساهمة العامة في إنجاز مهامها بشكل صحيح وقوي، يحتاج لكفاءات أخرى من أبناء الوطن تمتاز بالنزاهة والخبرة والقدرة على إنجاز المهام الصعبة، وقبل ذلك إنتمائها الصادق للوطن، وليس الإنتماء للشللية وللمصالح الفردية الأنانية والطفيلية التي الحقت أشد الأضرر بالوطن وبمصالحه العليا.

لتحميل تطبيق "شرق" : اضغط هنا






طباعة
  • المشاهدات: 20136

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم