حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الخميس ,17 يناير, 2019 م
طباعة
  • المشاهدات: 70587

الرقمنة والامن السيبراني

الرقمنة والامن السيبراني

الرقمنة والامن السيبراني

05-01-2019 09:13 AM

تعديل حجم الخط:

بقلم : المهندس عامر عليوي
يواجه العالم حاليا عددًا كبيرًا من التهديدات والتحديات الأمنية التي تتسم بتغيرها وتطورها المستمر، واتساع نطاق تأثيرها بحيث لا يقتصر على الإضرار بأمن دول بعينها، وإنما يمتد ليؤثر في الأمن العالمي بشكل عام، وذلك بفعل التطورات التكنولوجية المتسارِعة التي أدت إلى رقمنة الحياة البشرية، واثر الانفجار الرقمي بشكل سلبي على الإنسان، وصارت المعرفة والرقمنة من الموارد الأساسية للحياة البشرية، واحدثت تحول في طبيعة الحياة البشرية واوجدت تهديدات أمنية غير تقليدية ناتجة عن توظيف التكنولوجيا في الصراعات، وسمحت للمجموعات الصغيرة والأفراد بأن تتحدى الدولة ومؤسساتها التقليدية عن طريق استخدام التكنولوجيا، وأدى انتشار الشبكات الحاسوبية إلى زيادة عمليات القرصنة والهجمات السيبرانية، إلا أنه -في نفس الوقت- أدى إلى ظهور ما يُعرف بصناعة الأمن السيبراني الامر الذي سيؤثر على قدرة الدول على الحكم بفاعلية، وتُشير الإحصاءات إلى أن هناك ما يقارب 65% من الأسر حول العالم تستخدم الإنترنت، وأصبح هناك العديد من الأفراد أكثر قدرة على التلاعب بأجهزة الكمبيوتر المتصلة بشبكة الإنترنت، وبالتالي ازدادت القدرة على إطلاق الهجمات الإلكترونية، والاستغلال السيبراني. ومن أبرز هذه التهديدات الأمنية المعاصرة وأكثرها حداثة وأوسعها انتشارا هي التهديدات الإلكترونية " Cyber threats " فلقد أصبحت التهديدات الإلكترونية من التعقيد بمكان، حيثُ بات من الصعب حصرها أو تطوير استراتيجيات محكمة لمواجهتها بشكل كامل، خاصة مع تعدد أشكالها ومصادرها، وتطورها المتسارع والمستمر، ففي عام 2016 أجمع ممثلو قيادات الجيوش الأمريكية والفرنسية والكندية في الندوة الدولية التي عقدة بالجزائر حول الأمن السيبراني، تحت عنوان: "الفضاء السيبراني ـ الرهانات والتحديات" على أن الفضاء السيبراني أصبح الوسيلة المفضلة للجماعات الإرهابية، لتجنيد أكبر عدد من الشباب والنساء في صفوفها، وأكدوا على ضرورة تحصين مؤسسات الدول ومواقعها الحساسة من "الإرهاب الإلكتروني".
لقد أصبح "الفضاء السيبراني" او كما يطلق عليه البعض "الفضاء الأزرق" مكانا مثاليا للقيام بأعمال غير مشروعة، أصبح فيه الأفراد والشركات والمؤسسات والدول ضحايا للتهديدات السيبرانية من مساس بحياتهم الخاصة والتشهير بهم، سرقة للبيانات، مساس بالأنظمة المعلوماتية والبنى التحتية الحيوية، جرائم اقتصادية، تجسس وتهديد للنظام العام، ويضاف لهذه التهديدات ما يسمى ب "رقمنة الاشاعة" الذي قدمته وسائل التواصل الاجتماعي لمروجي الشائعات المحترفين والهواة أيضا كهدية لا تقدر بثمن، لأنها قدمت لهم فضاء عالميا فوريا يجعل الاشاعة تنتشر انتشار الضوء، لقد اكسبت الاشاعة وهي ترتدي جلباب الرقمنة محترفي صناعة الاشاعة ومروجيها أدوات تمكنهم من جعل الاشاعة المرقمنة أكثر إقناعا وأقرب شبها من الحقيقة، لان صانعها يستطيع أن يزوّر النصوص والصور ولقطات الفيديو والوثائق، وربط ذلك بسيناريوهات قد ينتج عنها أمرا يصار الى الاعتقاد بانه الحقيقة بعينها، وساعدت آفة التمرير Forward على سرعة انتشار الاشاعة الرقمية، وهو سلوك تواصلي يهدف إلى المشاركة في تلقي رسالة تواصلية يعتقد أنها تستحق جهد التلقي، ومن ناحية أخرى يمكن اعتبار التمرير من السلوكيات التعويضية التي تحل محل العجز عن إنتاج الرسائل التواصلية الأصيلة فيكتفي " الممرر" بما يمكن تسميته ب "أجر المناولة". ويتكرر تمرير الاشاعة طلبا وطمعا بنيل أجر المناولة من شخص لآخر الأمر الذي يوحي بمصداقية الإشاعة إلى أن يتم تكذيبها برسالة تواصلية أخرى حُظيَت بالتمرير.
قال المستشار الألماني في الامن السيبراني ماركو جيريك خلال جلسة "مواقع التواصل الاجتماعى تنقذ أم تستبعد مستخدميها": الإرهابيون يكتشفون الفجوات الموجودة في المجتمعات، من خلال دراسات مسحية متخصصة في تحليل بيانات السوشيال ميديا، مؤكدا أن مواقع التواصل تلقى عبئا هائلا على الأجهزة الأمنية والاستخباراتية لأنه يضعها في موقع مواجهة عالي التعقيد. وأشار إلى أن تجنيد الإرهابيين يتم عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، لذلك أصبحت صناعة متطرف وإرهابي عن بُعد موجودة وحاضرة، وتتبنى الأجهزة الأمنية العالمية خططا مستقبلية لمواجهة هذه الأخطار.
إن التهديد الذي تشكله اختراقات الأمن السيبراني يُعدّ أمرا خطيرا ويمكن تجنبه أيضا، والمفتاح لتخفيف ذلك هو فهم أن الأمن السيبراني ليس مجرد مسألة تقنية، بل هو أيضا مسألة استراتيجية عاجلة جدا ويجب أن تكون على قمة أولويات الدولة ومؤسساتها، فقد أصبحت الحرب السيبرانية جزءاً لا يتجزأ من التكتيكات الحديثة للحروب والهجمات العابرة للحدود، وأصبح صناع القرار في دول العالم يصنفون وسائل الأمن السيبراني كأولوية في سياساتهم الدفاعية الوطنية، وأصبحت جزء رئيسيا ومهما من مهام الأجهزة الأمنية لديها.
ولتوضيح أهمية مفهوم الامن السيبراني انقل لكم بعض من التصريحات والتحذيرات التي تم الإشارة اليها في مؤتمر بوتسدام للأمن الوطني الإلكتروني الذي نظمه معهد هاسو بلانتر الألماني:
 قال رئيس جهاز المخابرات الداخلية بألمانيا هانزجورج ماسن:" إن نوعية الهجمات التي يتم شنها بدوافع استخباراتية وكمها تزايدت بصورة كبيرة"، لافتاً إلى أن الرقمنة تعني توسعاً هائلاً للوسائل ولنطاق المهام بالنسبة لمكافحة التجسس.
 وأضاف ماسن قائلا: "أن إنترنت الأشياء IoT يسهم بشكل كبير في زيادة الأهداف المحتمل تعرضها لجرائم إلكترونية"، وقال: "إنترنت الأشياء يتطور بشكل متزايد إلى إنترنت التهديدات".
 وصرح وزير دولة في ديوان المستشارية بالمانيا، هندريك هوبنشت: "إن الرقمنة تعد عاملاً محورياً للمستقبل بالنسبة لألمانيا على الرغم من المخاطر"، وأضاف "ولكن الرقمنة بحاجة أيضاً لبنية تحتية أمنية حديثة".

واختم بالسؤال التالي: كيف يمكن للجهات الحكومية أن تصمد في وجه المد التكنولوجي الرقمي ما لم تقم بخطوات مهمة على طريق المواجهة، للدفاع عن حدود ونطاق السرية التي تبحث عنها وتؤكد عليها؟
وقبل الإجابة على السؤال دعوني انقل لكم أيضا ما قاله العالم الألماني كريستوف ماينل الرئيس التنفيذي لمعهد هاسو بلانتر للهندسة الرقمية في جامعة بوتسدام، في مؤتمر بوتسدام للأمن الوطني الإلكتروني أيضا، قال: "إن الأمن الإلكتروني لم يعد موضوعاً للمتخصصين فحسب"، مؤكداً أنه يستلزم المزيد من الانتباه بين جميع المواطنين.
الجواب:
اولا: على الحكومات العمل على ضبط طوفان الانتقال الاجتماعي إلى الحياة الإلكترونية، ورقمنة الأعمال وكل شيء تقريبا في الحياة البشرية، لكيلا تفقد الحكومات قوة قبضتها على المجتمعات الخاضعة لها، وذلك عن طريق خلق أنظمة موازية تحاول مجارات المتغيرات الحاصلة على الأرض من خلال التقنية ذاتها.
ثانيا: بناء جيوش المستقبل عن طريق تدريب كوادر قادرة على فهم واستيعاب نوعية معارك المستقبل وآلياتها وطرق ومعنى الانتصار فيها، إذ أن المعركة ربما ستدار من على مقعد السيارة -إن كانت هي الأخرى ستبقى على نفس هيئتها الحالية-، فكل علامات المستقبل تقول إن الأعمال والوظائف لن تكون تقليدية مثل ما هي عليه اليوم، وأن المجال الأوسع في الوقت الراهن هو لوظائف التقنية والفضاء الإلكتروني وتحديدا ما يُعنى بالأمن السيبراني، والتنافس الحقيقي اليوم يكمن في قدرة الدولة على الاستثمار في المجالات الرقمية، والحصول على طاقات بشرية ذكية ومدربة، تستطيع بهم أن تصنع الفارق، وعندنا في الأردن فجوة كبيرة لافته بين سرعة التقنية نحو المستقبل وبين حركة الكوادر والمواهب الإبداعية التي تستطيع مواكبة تلك السرعة الرهيبة، فأعداد تلك المواهب والطاقات من الواضح أنها قليلة جدا، والسوق الأردني الآن يبدو في أزمة حقيقية، وهذه تعتبر نقطة خطرة جدا، بل وأراها أهم ثغرة في جدار برامج الأمن السيبراني الأردني.
ثالثا: سن قوانين وتشريعات جديدة واخراجها من قوالبها التاريخية القديمة، والتي أشك في نجاحها إذا ما استمر الوضع على السير بنفس درجه البطء، وهذا يعني أن كارثة ربما تحدث لا سمح الله، فالاختراقات الإلكترونية (القرصنة) التي بدأت كهواية وألعاب تسلية بين أطراف محددة، أصبح يديرها الآن محترفون انتهازيون يقبضون مقابلا ماديا مغريا للقيام بهجمات منظمة، وتقف خلفها جماعات إرهابية وحكومات عدوانية تفكر بأنانية، لتحقيق مصالح خاصة، بغض النظر عما سيلحق بالمتضرر.
رابعا: يجب تطوير استراتيجية وطنية للأمن السيبراني، وحماية البنية التحتية للمعلومات الحساسة، وذلك من خلال تحصين الأنظمة الإلكترونية للمنشآت المهمة في ملاجئ مزودة بأنظمة ذكاء اصطناعي، وتوفير حماية كهرومغناطيسية للمعدات الإلكترونية المهمة بوضعها بما يشبه الصندوق الأسود في الطائرات.
خامسا: الأمن السيبراني ليس مجرد قضية قومية بل قضية الأفراد أيضا، ولكي يتحسن الأمن السيبراني الوطني فعلى الدولة تشجيع الأفراد لتحمل المسؤولية عن أمانهم الشخصي علي الانترنت، وذلك من خلال انشاء برامج تدريبه للمواطنين لمساعدتهم لمواجهة الإرهاب الإلكتروني من خلال تدريس أمن المعلومات ضمن مواد دراستهم في كافة المراحل التعليمية (مدارس ومعاهد وجامعات) كمتطلبات اجبارية.

أن القوانين «السيبرانية» ستتحكم بمستقبل البشرية ووظائفها وترسمها على طريقتها، وسيحل الذكاء الصناعي محل البشر في السنوات القادمة، لذلك يجب أن يكون التفكير في كيفية تطويع التكنولوجيا وتسخيرها لخدمة البشرية لا لإنهاء وجود الإنسان في الكون، فقد يكون ذلك بلمسة زر صغير في لحظة متهورة.






طباعة
  • المشاهدات: 70587

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم