حين يختار الطالب الأردن، فإنه يختار أكثر من مقعد جامعي. يختار بلدًا سبقته إليه سمعته الطيبة، وشعبًا يعرف للضيف مكانه، ومدينة تمنحه شيئًا من الألفة قبل أن يحفظ أسماء شوارعها. ومن مطار الملكة علياء إلى قلب عمّان تمتد تفاصيل تبدو صغيرة، لكنها كبيرة في قرار الطالب وأسرته: طريق آمن، ومستشفى، ومصرف، واتصال، وسكن، وخدمات، وكلفة معقولة قياسًا بما تقدمه المدينة، وفوق ذلك كله الطمأنينة. ولهذا جاءت عمّان في المرتبة 69 عالميًا في تصنيف QS لأفضل المدن الطلابية لعام 2027؛ فالطالب لا يختار جامعة فقط، بل يختار مكانًا سيعيش فيه سنوات من عمره.
ومن هنا تبدأ قصة التدويل قبل أن تتحول إلى نسبة في جدول. فبروشورات الجامعات تتحدث، بحق، عن التصنيف، والطلبة الدوليين، والكادر الدولي، والتنوع، والجندر، والشراكات والاستشهادات؛ لكنها أقل حديثًا عن ذلك الجزء من تجربة الطالب الذي يبدأ خارج سور الجامعة. فالتصنيف يحصي الطالب بعد أن يصل، لكنه لا يحصي المطار الذي استقبله، والطريق الذي أوصله، والأمن الذي طمأن أسرته، والمستشفى الذي يخدمه، والدينار المستقر الذي يجعل نفقاته أكثر قابلية للتقدير، ولا المجتمع الذي يحول الغربة شيئًا فشيئًا إلى ألفة. وهذه ليست مطالبة للجامعة بأن تتنازل عن إنجازها، بل تذكير بأن بعض أثمن أصول الاستثمار الجامعي لا تظهر في ميزانيته.
ولعل رقم 55,410 طالبًا وافدًا من 119 دولة في مؤسسات التعليم العالي الأردنية مع بداية العام الجامعي 2025–2026 يقول الكثير. فوزارة التعليم العالي نفسها تربط جاذبية المملكة بالسمعة التعليمية وجودة المخرجات والأمن والأمان والعوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية، إلى جانب الجهد الوطني المنظم لاستقطاب الطلبة. وفي إقليم عرف من القلق أكثر مما عرف من الاستقرار، بقي الأردن واحة أمن وسلام، وحافظ على مؤسساته وعملته وبنيته وقدرته على التخطيط. وفي عهد جلالة الملك عبدالله الثاني ظل الاستثمار في الإنسان والتعليم وتنمية الموارد البشرية حاضرًا في مشروع الدولة؛ وهذه ميزة لا تقاس فقط بما تنفقه الحكومة، بل بما تمنحه من ثقة لكل من يفكر في الدراسة أو الاستثمار في المملكة.
وللتاريخ الأكاديمي أيضًا حقه. فالقطاع الخاص الأردني دخل إلى أرض كانت قد راكمت اسمًا للتعليم قبل ذلك بعقود: الجامعة الأردنية، أم الجامعات، واليرموك، ومؤتة، والعلوم والتكنولوجيا الأردنية، والهاشمية، وآل البيت، والبلقاء التطبيقية، والحسين بن طلال، والطفيلة التقنية، والألمانية الأردنية. هذه الجامعات الرسمية بنت أجيالًا من الأطباء والمهندسين والمعلمين والباحثين والأساتذة، ثم جاءت الجامعات الخاصة وأضافت رأس المال والمرونة والمنافسة والاستقطاب. وكذلك أسهمت بعثات الدولة واتفاقياتها الثقافية وشبكاتها الخارجية في تكوين جانب مهم من رأس المال الأكاديمي الذي تعمل به جامعاتنا اليوم. هذه ليست منافسة على الفضل؛ إنها تراكم دولة.
وفي هذه الصورة لا تقف الدولة في مواجهة المستثمر، بل في موقع أوسع: راعية للاستثمار وحارسة للجميع. تحمي صاحب الاستثمار بالقانون والاستقرار، وتحمي الطالب الأردني، وتستقبل الطالب الوافد بوصفه ضيفًا وشريكًا في اقتصاد المعرفة، وتحفظ للكفاءة الأردنية مكانتها، وتوفر للأستاذ الدولي بيئة يستطيع أن يعمل ويعيش فيها باحترام وأمان. ومهما اتسعت قدرة الجامعة المالية، تظل هناك أصول لا يستطيع رأس المال منفردًا أن يصنعها: أمن بلد، وسمعة دولة، ومطار، وطرق، وتشريع، وعملة مستقرة، وعلاقات دولية، ومجتمع مضياف. وكلما كانت هذه البيئة أقوى، ارتفعت قيمة الاستثمار القائم داخلها.
ولذلك فإن شكر الأردن لا يحتاج إلى خطاب احتفالي، ولا يُختزل في القرب الشكلي من هذا المسؤول أو ذاك؛ فنحن جميعًا في خدمة وطن واحد. الشكر الأجمل أن يتحول نجاح الاستثمار الجامعي إلى جزء من نجاح الدولة: بحث يخدم الاقتصاد، ومنحة تفتح بابًا لمتفوق، وفرصة عمل لشاب، وشركة تخرج من مختبر، وخبرة دولية تنتقل إلى كفاءة وطنية، واستثمار يصل إلى المحافظات، ومساهمة في مكافحة الفقر والبطالة ورفع الإنتاجية. عندها لا نطلب من المستثمر أن يتوقف عن الربح؛ بل نصل إلى المعادلة الأذكى: أن يربح المستثمر، وأن تكبر الجامعة، وأن يكبر معهما الأردن.
فلنفرح بكل جامعة أردنية ترتفع في التصنيف، رسمية كانت أم خاصة؛ فنجاحها يضيف إلى المملكة. لكن وسط ضجيج الأرقام، لننظر أحيانًا إلى ما وراء الجدول: إلى الطالب الذي وصل عبر مطار أردني، وسار في مدينة أردنية، واطمأن إلى أمن أردني، وعاش بين شعب يعرف كيف يقول للضيف: أهلًا.
فالرقم قد يحمل اسم الجامعة… لكن خلف الأرقام وطن.
ومن هنا تبدأ قصة التدويل قبل أن تتحول إلى نسبة في جدول. فبروشورات الجامعات تتحدث، بحق، عن التصنيف، والطلبة الدوليين، والكادر الدولي، والتنوع، والجندر، والشراكات والاستشهادات؛ لكنها أقل حديثًا عن ذلك الجزء من تجربة الطالب الذي يبدأ خارج سور الجامعة. فالتصنيف يحصي الطالب بعد أن يصل، لكنه لا يحصي المطار الذي استقبله، والطريق الذي أوصله، والأمن الذي طمأن أسرته، والمستشفى الذي يخدمه، والدينار المستقر الذي يجعل نفقاته أكثر قابلية للتقدير، ولا المجتمع الذي يحول الغربة شيئًا فشيئًا إلى ألفة. وهذه ليست مطالبة للجامعة بأن تتنازل عن إنجازها، بل تذكير بأن بعض أثمن أصول الاستثمار الجامعي لا تظهر في ميزانيته.
ولعل رقم 55,410 طالبًا وافدًا من 119 دولة في مؤسسات التعليم العالي الأردنية مع بداية العام الجامعي 2025–2026 يقول الكثير. فوزارة التعليم العالي نفسها تربط جاذبية المملكة بالسمعة التعليمية وجودة المخرجات والأمن والأمان والعوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية، إلى جانب الجهد الوطني المنظم لاستقطاب الطلبة. وفي إقليم عرف من القلق أكثر مما عرف من الاستقرار، بقي الأردن واحة أمن وسلام، وحافظ على مؤسساته وعملته وبنيته وقدرته على التخطيط. وفي عهد جلالة الملك عبدالله الثاني ظل الاستثمار في الإنسان والتعليم وتنمية الموارد البشرية حاضرًا في مشروع الدولة؛ وهذه ميزة لا تقاس فقط بما تنفقه الحكومة، بل بما تمنحه من ثقة لكل من يفكر في الدراسة أو الاستثمار في المملكة.
وللتاريخ الأكاديمي أيضًا حقه. فالقطاع الخاص الأردني دخل إلى أرض كانت قد راكمت اسمًا للتعليم قبل ذلك بعقود: الجامعة الأردنية، أم الجامعات، واليرموك، ومؤتة، والعلوم والتكنولوجيا الأردنية، والهاشمية، وآل البيت، والبلقاء التطبيقية، والحسين بن طلال، والطفيلة التقنية، والألمانية الأردنية. هذه الجامعات الرسمية بنت أجيالًا من الأطباء والمهندسين والمعلمين والباحثين والأساتذة، ثم جاءت الجامعات الخاصة وأضافت رأس المال والمرونة والمنافسة والاستقطاب. وكذلك أسهمت بعثات الدولة واتفاقياتها الثقافية وشبكاتها الخارجية في تكوين جانب مهم من رأس المال الأكاديمي الذي تعمل به جامعاتنا اليوم. هذه ليست منافسة على الفضل؛ إنها تراكم دولة.
وفي هذه الصورة لا تقف الدولة في مواجهة المستثمر، بل في موقع أوسع: راعية للاستثمار وحارسة للجميع. تحمي صاحب الاستثمار بالقانون والاستقرار، وتحمي الطالب الأردني، وتستقبل الطالب الوافد بوصفه ضيفًا وشريكًا في اقتصاد المعرفة، وتحفظ للكفاءة الأردنية مكانتها، وتوفر للأستاذ الدولي بيئة يستطيع أن يعمل ويعيش فيها باحترام وأمان. ومهما اتسعت قدرة الجامعة المالية، تظل هناك أصول لا يستطيع رأس المال منفردًا أن يصنعها: أمن بلد، وسمعة دولة، ومطار، وطرق، وتشريع، وعملة مستقرة، وعلاقات دولية، ومجتمع مضياف. وكلما كانت هذه البيئة أقوى، ارتفعت قيمة الاستثمار القائم داخلها.
ولذلك فإن شكر الأردن لا يحتاج إلى خطاب احتفالي، ولا يُختزل في القرب الشكلي من هذا المسؤول أو ذاك؛ فنحن جميعًا في خدمة وطن واحد. الشكر الأجمل أن يتحول نجاح الاستثمار الجامعي إلى جزء من نجاح الدولة: بحث يخدم الاقتصاد، ومنحة تفتح بابًا لمتفوق، وفرصة عمل لشاب، وشركة تخرج من مختبر، وخبرة دولية تنتقل إلى كفاءة وطنية، واستثمار يصل إلى المحافظات، ومساهمة في مكافحة الفقر والبطالة ورفع الإنتاجية. عندها لا نطلب من المستثمر أن يتوقف عن الربح؛ بل نصل إلى المعادلة الأذكى: أن يربح المستثمر، وأن تكبر الجامعة، وأن يكبر معهما الأردن.
فلنفرح بكل جامعة أردنية ترتفع في التصنيف، رسمية كانت أم خاصة؛ فنجاحها يضيف إلى المملكة. لكن وسط ضجيج الأرقام، لننظر أحيانًا إلى ما وراء الجدول: إلى الطالب الذي وصل عبر مطار أردني، وسار في مدينة أردنية، واطمأن إلى أمن أردني، وعاش بين شعب يعرف كيف يقول للضيف: أهلًا.
فالرقم قد يحمل اسم الجامعة… لكن خلف الأرقام وطن.
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات