سرايا - لا تبدو عمّان في كتاب الباحث عامر كامل السلايمة «عمّان.. عبق الزمان والمكان.. حكايات عن المدينة والناس» مجرد مكان يستعاد من الذاكرة، بل مدينة كاملة تستعيد أصواتها وروائحها ووجوه ناسها. فمن خلال تفاصيل الحياة اليومية في وسط البلد خلال ستينيات القرن الماضي، يحاول السلايمة إنقاذ جانب من الذاكرة الاجتماعية للمدينة، تلك التي لم تحفظها الوثائق الرسمية بقدر ما حفظتها حكايات الناس والصور العائلية والذاكرة الشخصية.
وفي هذا الحوار، نتوقف معه عند علاقته بعمّان القديمة، وحدود الذاكرة بين التوثيق والحنين، وصعوبة استعادة تفاصيل الحياة التي لم تجد طريقها إلى الكتب والسجلات، فضلًا عن علاقته بالعمارة بوصفها إحدى أبرز الشواهد على تحولات المدينة.
رافقتك فكرة الكتاب أكثر من أربعين عامًا. ما الذي جعلك تعود أخيرًا إلى تلك الذاكرة وتحولها من حنين شخصي إلى كتاب عن مدينة؟
- بدأت الحكاية حنينًا شخصيًا إلى وسط البلد في عمّان الذي ولدت وعشت طفولتي على جوانب سيله وشوارعه وأدراجه ومساجده وأسواقه، لكنني مع مرور السنوات شعرت أن كثيرًا مما أعرفه عنها بدأ يختفي، ليس من المكان فقط، بل من ذاكرة الناس أيضًا. كنت أخشى أن يأتي يوم لا يبقى فيه من تلك التفاصيل سوى أسماء مبهمة. عندها تحول الحنين عندي إلى شعور بالمسؤولية؛ فبدأت أكتب، وكلما فتحت بابًا من الذاكرة وجدت وراءه أبوابًا أخرى. اكتشفت أنني لا أكتب طفولتي وحدها، وإنما أستعيد مدينة كاملة كما عاشها جيلنا وأجيال سبقته.
تقول إن الكتاب ليس سيرة شخصية، بقدر ما هو سيرة لمدينة من خلال أحد أبنائها. أين تنتهي ذاكرتك الشخصية وتبدأ الذاكرة الجمعيّة لعمّان؟
- ذاكرتي الشخصية هي المفتاح الذي أدخل منه إلى الحكاية، وليست الحكاية كلها. حين أتذكر شارع الملك طلال أو المسجد الحسيني أو دار سينما أو بائعًا جائلًا أو درجًا، فإنني أبدأ بما رأيته وعشته، ثم أبحث عما بقي في ذاكرة الآخرين والوثائق والصور. لذلك يظهر الطفل الذي كُنته أحيانًا في الكتاب، لكنه سرعان ما يفسح الطريق للمدينة وأهلها. وأجمل ما حدث في حساب لي متخصص بذاكرة المكان على أحد مواقع التواصل الاجتماعي؛ أن القراء صاروا يضيفون إلى ذاكرتي ذكرياتهم، فتحولت الحكاية من «أتذكَّر» إلى «نتذكَّر».
ركزت في استدعائك لذاكرة المدينة على التفاصيل الصغيرة: الباعة، المخابز، المقاهي، الأطفال، الأزقة والأدراج. لماذا ترى أن هذه التفاصيل أكثر قدرة على حفظ روح المدينة من الأحداث الكبرى؟
- لأن الأحداث الكبرى تحفظها كتب التاريخ والصحافة بأنواعها، أما رائحة الخبز، وصوت البائع، وكرسي القش أمام المقهى، وطفل يصعد درجًا بحقيبته، فمَن يحفظها؟ المدينة في نظري ليست حجارة وقرارات وتواريخ فقط؛ إنها حياة الناس بين هذه الحجارة. وقد يختصر بائع فلافل في محل لا تتجاوز مساحته بضعة أمتار مرحلة اجتماعية كاملة أكثر مما تفعل صفحات من الأرقام والإحصاءات. التفاصيل الصغيرة هي التي تمنح التاريخ نبضه الإنساني.
واجهت صعوبة في العثور على مصادر توثق الحياة اليومية في عمّان القديمة. هل تكشف هذه الصعوبة عن نقص في كتابة التاريخ الاجتماعي للمدينة؟
- بالتأكيد. لدينا مادة جيدة عن التاريخ السياسي والإداري والعمراني، لكن الحياة اليومية للناس لم تحظَ بما تستحقه. كيف كانوا يتسوقون؟ أين جلسوا؟ ماذا أكلوا؟ بم كانوا يتهادون؟ من كان الطبيب والحلاق والخباز الذي يعرفونه؟ كيف كانت علاقة الجيران والتجار والزبائن؟ هذه التفاصيل غالبًا ما بقيت خارج السجل المكتوب. لذلك أرى أننا أمام مهمة عاجلة؛ فجيل كامل يحمل هذه الذاكرة، وإذا رحل قبل تسجيلها ستضيع معه مكتبة لا يمكن تعويضها.
اعتمدت على شهادات الناس والصور العائلية، لكن الذاكرة البشرية ليست واحدة، وقد تختلف الروايات من شخص إلى آخر. كيف تعاملت مع التناقض بين الرواية والذاكرة والحقيقة؟
- لا أتعامل مع الذاكرة باعتبارها وثيقة قطعية. أستمع إلى الرواية، ثم أقارنها بروايات أخرى وبالصور والصحف والوثائق وما يتاح من مصادر. وإذا بقي خلاف لا أجزم بما لا أملك عليه دليلًا. أحيانًا يكون الاختلاف نفسه مهمًا؛ لأنه يكشف كيف عاش الناس الحدث وتذكروه. الذاكرة الشعبية مصدر ثمين، لكنها تحتاج دائمًا إلى عين الباحث التي تقارن وتتحقق.
كتابك يقف في منطقة بين البحث والتوثيق والسرد الأدبي. هل كان عليك أحيانًا أن تختار بين «دقة الباحث» و»جماليات الحنين»؟
- أحاول دائمًا ألا أضعهما في مواجهة بعضهما. لا أسمح لجمال العبارة أن يغيّر حقيقة تاريخية، لكنني أيضًا لا أريد أن أقدم للقارئ سجلًا جافًا من الأسماء والتواريخ. دوري أن أثبت المعلومة قدر استطاعتي، ثم أترك للأدب أن يعيد إليها الدفء والرائحة والصوت. الحنين عندي أسلوب في الحكي، وليس مصدرًا للمعلومة.
في كتاباتك عن العمارة في عمّان، تبدو وكأنها وثيقة تقرأ من خلالها تاريخ المدينة وتحولاتها. متى بدأت تنظر إلى الحجر والمبنى باعتبارهما جزءًا من الذاكرة الثقافية لا مجرد عمران؟
- بدأت استشعر أن اختفاء مبنى قديم (ربما بفعل التحديث وتأهيل وسط البلد سياحياً) لا يعني فقدان حجارة فقط، وإنما فقدان فصل من سيرة المدينة. الواجهة الحجرية تخبرنا عن ذائقة عصر، والمبنى يحدثنا عن مهندسه وبنّائه وسكانه ووظيفة الشارع الذي قام فيه. ومن هنا جاء اهتمامي بعمارة عمّان؛ أردت أن نعرف الرجال الذين وقفوا خلف الأبنية التي نمر بها كل يوم. فالعمارة ذاكرة مكتوبة بالحجر.
استعنت بتقنيات الذكاء الاصطناعي في إعادة تصور بعض المشاهد التي لم تعد لها صور صالحة. هل يمكن للتكنولوجيا أن تساعد في إنقاذ الذاكرة، أم أنها قد تفتح الباب أمام ذاكرة مصطنعة؟
- يمكن أن تفعل الأمرين، ولذلك يجب استخدامها بأمانة. أنا أستخدم الذكاء الاصطناعي لتقريب المشهد إلى ذهن القارئ عندما لا تتوفر صورة، لا لصناعة وثيقة تاريخية مزيفة. وأحرص على توضيح أن هذه الصور تخيلية أو معاد بناؤها. التكنولوجيا تستطيع أن تمنح الذاكرة نافذة بصرية جميلة، لكن الخطأ يبدأ عندما نقدم التخيل بوصفه حقيقة. الوثيقة تبقى وثيقة، والصورة التوضيحية تبقى تقريبًا للمشهد. ويتعيّن على القاريء هنا أن يقف عندها للتحليل، صورة الذكاء الاصطناعي هنا تلفت القارئ ليقترب أكثر من صورة الحدث ولا يعول عليها إزاء النص.
عمّان اليوم مختلفة جذريًا عن عمّان الستينيات. هل نحن أمام مدينة فقدت شيئًا من روحها، أم أن المدن لا تفقد ذاكرتها وإنما تضيف إليها طبقات جديدة؟
- المدن كالبشر؛ تكبر وتتغير، ولا يمكن أن نطلب من عمّان أن تبقى كما كانت في الستينيات. لكنني أعتقد أنها فقدت أشياء عزيزة: شيئًا من الألفة، وبساطة العلاقات، وبعض ملامح المكان (ربما بسبب محدودية المكان «وسط البلد وأطراف الجبال المحيطة به» وعدد السكان الذي تضاعف نحوًا من عشرين مرة). وفي المقابل اكتسبت حياة جديدة وامتدت واتسعت. المشكلة ليست في التغيير، بل في أن نمحو الطبقة القديمة وكأنها لم تكن. من حق المدينة أن تتطور، ومن حق ذاكرتها علينا أن تبقى.
لو أتيح لك أن تعيد كتابة الكتاب بعد عشر سنوات، ما الذي تخشى أن تكتشف أنه اختفى من عمّان ولم يعد بالإمكان توثيقه؟
- أخشى على الإنسان أكثر مما أخشى على الحجر. المبنى قد تبقى له صورة أو مخطط، لكن حين يرحل آخر من يتذكر حكاية دكان أو طبيب أو بائع أو جار، تضيع معه تفاصيل لا توجد في أي أرشيف. لذلك أشعر أنني في سباق هادئ مع الزمن؛ أريد أن أسأل الناس الآن، وأن أسمع منهم الآن، وأن أحفظ ما يستطيعون روايته. فما أكتبه في النهاية ليس رثاءً لعمّان القديمة، بل محاولة لأن أقول للأجيال القادمة: هكذا كانت مدينتنا، وهكذا كان ناسها.
الدستور
الباحث السلايمة: التفاصيل الصغيرة هي التي تمنح التاريخ نبضه الإنساني
منذ 3 أسابيع
المشاهدات :
12822
إقرأ ايضاَ
وسوم:
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
الأردن اليوم
مطعم في عمان يصطف العشرات أمامه يوميا فجرا .. ما سر مطعم العقيلي بوسط البلد .. شاهد
منذ 6 أيام
02
الأردن اليوم
"عمري 75 سنة وأتحدث 4 لغات" .. محمد المساعيد يروي حكاية سنوات طويلة من العمل والكفاح - فيديو
منذ 6 أيام
03
05
آخر الأخبار
ثقافة
"على حافّة النجاة" .. أصوات من غزّة تكتب الحياة رغم كل شيء
منذ 19 ساعة
ثقافة
لماذا أخفت الأميرة ديانا عن تشارلز جنس مولودهما الثاني؟
منذ 1 يوم
ثقافة
قراءة في الرُّؤية الإخراجيّة والسينوغرافيّة للمخرج المعتمد المناصير
منذ 1 يوم
ثقافة
الأردن يستضيف ملتقى "زمن الأبطال" للأفلام الوثائقية
منذ 2 يوم
ثقافة
شعرية النسق الروائي للرواجفة: قراءة جديدة للأنساق الثقافية
منذ 2 يوم
أخبار فنية
فن
مصطفى الخاني يعلن تعرضه لتهديد ويخاطب "الصندوق السيادي السوري": "لم أسكت في حياتي عن خطأ ولن أسكت"
منذ 4 ساعات
فن
هوليوود تعود إلى أمريكا .. استراتيجية ترامب الجديدة تُعيد رسم خريطة السينما العالمية
منذ 4 ساعات
فن
بعد أزمة النجوم .. اعتذار جديد يهز حسابات مهرجان الموسيقى العربية
منذ 4 ساعات
فن
بعد اعتذار مي عمر .. هل تلقى محمد رمضان "أولى صفعات" مسلسله الجديد؟
منذ 7 ساعات
فن
هزمت السرطان وعادت من جديد .. آيات أباظة تكشف عن خبر أسعد جمهورها
منذ 7 ساعات
أخبار رياضية
رياضة
20 مليون دولار جوائز بطولة العالم للملاكمة .. ومليون لبطل كل وزن
منذ 3 ساعات
رياضة
رونالدو الأعلى دخلا في العالم .. تعرف على مركز صلاح في القائمة؟
منذ 4 ساعات
رياضة
بعد رحيله إلى قطر .. رياض محرز يوجه رسالة لجماهير الأهلي السعودي
منذ 4 ساعات
رياضة
الأخضر السعودي يستعيد كأس الخليج بعد غياب 22 عاما على حساب الإمارات
منذ 7 ساعات
رياضة
وكيل ميسي يكشف سر علاجه الهرموني وعلاقته بريال مدريد
منذ 7 ساعات
منوعات من العالم
منوعات من العالم
شرطة الرياض تضبط امرأة بتهمة "تطاولها على الثوابت والقيم الدينية" على مواقع التواصل
منذ 4 ساعات
منوعات من العالم
نبأ اكتشاف سفينة نوح محاولة لجذب السياح
منذ 4 ساعات
منوعات من العالم
إصابات في جماجم قديمة تكشف أسرارا عن طقوس الدفن الملكية في مصر
منذ 4 ساعات
منوعات من العالم
نصب "فخاً" للطلاب .. خدعة أستاذ جامعي تكشف الغش بالذكاء الاصطناعي
منذ 7 ساعات
منوعات من العالم
هل تشعر بالرهبة من تقديم العروض في العمل؟ اقرأ هذه النصائح قبل اجتماعك المقبل
منذ 7 ساعات
الرجاء الانتظار ...
التعليقات