على غير عادتي تابعت كلمة العين خالد الكلالدة في مجلس الأمة، ولم أجد ما هو أجمل وأصدق من مداخلة كانت بمثابة مرافعة، وإقامة للحجة، وإبراء للذمة، وانحياز للوطن، وفي هذا كفاية.
الوطن مملوء بالوعود يا خالد، لكن الوعود لا تملأ البطون، ولا تبني الأوطان.
هذا ليس مقالاً بل مرافعة؛ مرافعة حين تلتبس علينا المهنة من المبدأ، وحين نكتشف أن ثمة فارقاً بين اليسار واليساري، وبين أن يكون اليسار أيديولوجيا ومنهج حياة، وبين القتال على "نصل" المبدأ، والمعرفة المتحررة من قيود السلطة وترفها.
كنا نظن وافهمونا في طفولتنا أن الظن عند العرب بمعنى اليقين، وكنا على يقين أن اليسار الصحيفة حين تصدر بلا مقص رقيب، شارع تسمع نبضه، والشعب حين يصعد سلم الفجر من دون طمس للرؤية أو خوف من السلطة.
كنا نعتقد أن اليسار هو كل هذا قبل اليقين أن اليساري ليس بالضرورة أن يحمل كل هذه القيم، ولا حتى بعضها، فثمة من ارتدى اليسار ثم صار موظفاً في خدمة السلطة، ليثبت بالقول والفعل أن اليسار شيء، واليساري شيء آخر، وأن الرفيق المعتق بالمبادئ أمر مختلف تماماً.
ألا تذكر، ومن يعرف مثلكم كيف أفاقت سايغون على زحف الرفاق وانتصارهم؟ لكن يبدو أن بعض الرفاق قرأوا التاريخ من الجهة التي تناسبهم؛ فحين وصلوا إلى السلطة لم يعودوا يرون في النصر سوى مرسيدس وكرسي، وفي المبدأ سوى وسيلة، وفي الرفاق سوى طريق إلى المنصب.
في السلطة أيضا هناك من يقرأ جيدا ويدرك المعنى بكل ما تحمل المفاهيم من المعنى تمام الوضوح، تماما مثل البراندي حين يتحرر من كل كؤوس الرفاق، أو دخان سيجار ينطلق إلى مدى اللامحدود من فم رفيق ظن عبثا أن الدولة محطة والمناصب هواية استرخاء شاطئية.
كنا نظن أن "براغماتية" البعض هي ذاتها الانتهازية السياسية التي لطالما مقتناها، كانوا يتذرعون بالمبدأ في العلن، ويمارسون في الخفاء أكثر صور الانتهازية انحطاطاً.
وأذكر جيداً الفكرة التي كانت تقول إن الفتيان الذين أنجبهم اليسار سيكبرون وهم أكثر تمسكاً بالمبادئ، قبل أن يظهر لنا نموذج آخر وظيفة اسمها "يساري" ولكن من دون يسار، ورفاق يدعون على وليمة منسف عرمرمية، أو على وعود السلطة، وما أكثر المفتوحة شهيتهم.
يبدو أن البعض لم يقرأ التجربة جيداً، حتى أصبح الشك يقيناً بأن تروتسكي كان مصدراً، وأن الوثائق السرية قد تكشف يوماً أن غيفارا كان يتلقى تمويلاً، وأن الرفيق يمكن أن يصبح وزيراً بعد أن يخرج من الخدمة الوظيفية بالمعلولية.
هكذا أصبحت المبادئ مشروعاً، واستبدل زهد اليساري بترف المسؤولية، وبرر البعض لنفسه مرسيدس السلطة، واستبدل نقل الكتف إلى الكتف بربطة عنق هيرمز، واستبدل زيت السراج بالهواء، ظناً أن الأخير يمنح صاحبه مزيداً من الوميض.
لست أكتب هذا هجوماً وإنما هي "غضبة"؛ غضبة ألقيها قميصاً قد من كل اتجاه، على من التحقوا بترف المسؤولية وشهية السلطة، واستبدلوا المبادئ بالذرائع، أو استبدلوا الذرائع بالمبادئ.
وللرفاق ممن التحفوا الزهدا وظلوا أوفياء للمبدأ ممن لم تغويهم السلطة ولم تغيرهم كراسيها، سنسترد الوجع ولو بعد حين.
يوسف الطورة
وسوم:
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
03
04
05
حديث المدينة
شركات تأجير السيارات السياحية تشتكي من ارتفاع أسعار التأمين وتطالب بالسماح بالتأمين ضد الغير
منذ 6 أيام
آخر الأخبار
مقالات منوعة
د. ابراهيم الشقيرات يكتب: حرب المسارات .. !!
منذ 4 ساعات
مقالات منوعة
د. إسراء بسام تكتب: النسخ الآلي: كيف نتحول من إجهاد الأصابع إلى بناء العقول؟
منذ 21 ساعة
مقالات منوعة
حسن جمال الطورة يكتب: هذا بيان للناس
منذ 1 يوم
مقالات منوعة
الدكتور علي الصلاحين يكتب: حين لا تعود الطيبة كافية
منذ 1 يوم
مقالات منوعة
نوفل يكتب: انهاء الحرب و ممارسة الضغط الاقتصادي على ايران
منذ 1 يوم
أخبار فنية
فن
بعد عرض أولى حلقاته .. مسلسل الهدف يكشف اسراراً عن اختباء رئيس العراق
منذ 3 ساعات
فن
نبيلة عبيد: أنا تحت أمر التلفزيون المصرى في أي وقت
منذ 3 ساعات
فن
بعد غياب استمر 6 سنوات .. سيلين ديون تحيي أول حفل لها في باريس
منذ 3 ساعات
فن
بعد توصيل نجلها .. جوري بكر تكشف تفاصيل نجاتها من حادث سير
منذ 7 ساعات
فن
لوسي تكشف حقيقة اعتزال الفن .. أعمال متوقفة وأجور لا تناسبها
منذ 10 ساعات
أخبار رياضية
رياضة
جمال عبد الحميد: إدوارد ليس مسئولا عن تمرد بيزيرا .. ومعتمد جمال أفضل من مدرب أجنبى
منذ 3 ساعات
رياضة
أكبر صفقة في تاريخ الزمالك .. تقرير يكشف قيمة صفقة بيع خوان بيزيرا!
منذ 3 ساعات
رياضة
سباق الأعلى أجرا في إنستغرام .. رونالدو يهزم ميسي
منذ 5 ساعات
رياضة
اختتام الجولة الأولى من الدوري الأردني للمحترفات
منذ 5 ساعات
رياضة
بهدف وحيد .. نابولي يزيد معاناة بولونيا
منذ 5 ساعات
منوعات من العالم
منوعات من العالم
مصر .. هل يهرب مرتكب "مذبحة التجمع" من حبل المشنقة بتقرير نفسي؟
منذ 3 ساعات
منوعات من العالم
مصر .. إعدام ومؤبدات بحق أسرة كاملة بسبب تجارة المخدرات
منذ 3 ساعات
منوعات من العالم
تركيا .. الشرطة تضبط 350 كغم من الكوكايين مخبأة في سفينة شحن
منذ 4 ساعات
منوعات من العالم
وفاة الخطاط اللبناني سمير حداد صاحب عبارة "تابعوني وحسّنوا خطكم"
منذ 5 ساعات
منوعات من العالم
دراسة تكشف .. 160 دقيقة مشي يوميا قد تضيف 11 عاماً لعمرك
منذ 5 ساعات
الرجاء الانتظار ...
التعليقات