قراءة في المشهد السياسي الأردني
لا تدخل الدول في أزماتها الكبرى دفعة واحدة، بل تتسلل إليها على هيئة أحداث متفرقة تبدو في ظاهرها مستقلة، لكنها في وعي المواطن تتحول إلى سلسلة واحدة. فالقضية لا تكمن في حادثة هنا، أو قرار هناك، وإنما في الأثر التراكمي الذي تتركه هذه الوقائع في الضمير العام.
في الأشهر الأخيرة، وجد الأردني نفسه أمام مشهد سياسي متسارع؛ وزير يغادر موقعه على خلفية قضية تتعلق بتضارب المصالح، وأزمة مدافئ الغاز التي أودت بأرواح أبرياء وانتهت بإحالة مدير عام إلى التقاعد، ونقاشات عامة لا تهدأ حول قضايا تتعلق بالإدارة العامة والحوكمة والنزاهة. وكل حدث من هذه الأحداث له ظروفه الخاصة، لكن المواطن لا يقرأها منفصلة، بل يربط بينها ليكوّن انطباعًا عاماً عن أداء الدولة.
وما يزيد المشهد تعقيدًا أن المؤسسة التي منحها الدستور سلطة الرقابة على الحكومة تبدو، في نظر قطاع من الرأي العام، أقل حضورًا مما تقتضيه طبيعة المرحلة. فحين يشتد الجدل الوطني، ينتظر الناس من مجلس النواب أن يكون صوت المساءلة، وأن يمارس دوره الرقابي بكفاءة ووضوح، لأن الرقابة ليست ترفًا سياسياً، بل هي أحد أعمدة الاستقرار، ووسيلة لحماية الثقة قبل أن تكون وسيلة لمحاسبة المسؤولين.
إن الصمت في لحظات التحول ليس موقفًا محايدًا؛ فالمجتمعات تفسر الفراغ بطريقتها، وتبحث عن الإجابات حيثما وجدتها. لذلك فإن غياب المبادرة المؤسسية في مساءلة الأداء يفتح الباب أمام تضخم الأسئلة وتنامي القلق، حتى وإن لم تكن كل الروايات المتداولة صحيحة أو مكتملة.
وفي الإقليم، يتابع الأردني ما يجري في العراق من حملات معلنة لمكافحة الفساد، وما يصاحبها من نقاشات سياسية وإعلامية واسعة. وبغض النظر عن اختلاف التجارب والظروف بين الدول، فإن هذه المشاهد تترك أثرًا في الوعي الشعبي الأردني، وتدفع المواطنين إلى طرح أسئلة مشروعة حول كفاءة منظومة المساءلة والرقابة، وحول قدرة المؤسسات على ترسيخ مبادئ النزاهة والشفافية.
غير أن المواطن الأردني لا يطرح هذه الأسئلة من موقع الترف السياسي، بل من موقع الإرهاق. فقد أثقلت كاهله سنوات من الضغوط الاقتصادية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية، حتى أصبح الصمود ذاته إنجازًا يوميًا. وعندما تتزامن هذه المعاناة مع أزمات سياسية وإدارية متلاحقة، فإن الثقة تصبح المورد الأكثر حساسية، لأنها أساس العلاقة بين الدولة والمجتمع.
إن الدولة لا تحتاج اليوم إلى إدارة الأزمات فقط، بل إلى إدارة الثقة. والثقة لا تُبنى بالتصريحات، وإنما بمؤسسات رقابية فاعلة، ومحاسبة شفافة، وقوانين تُطبق على الجميع دون استثناء، وحياة نيابية يشعر المواطن بأنها تمارس دورها الدستوري باستقلال ومسؤولية.
فالسياسة، في جوهرها، ليست فن إدارة السلطة، بل فن الحفاظ على ثقة الناس. وإذا كانت الحكومات تُقاس بقدرتها على اتخاذ القرار، فإن الدول تُقاس بقدرتها على ترسيخ العدالة، وتفعيل الرقابة، وتجديد الثقة في كل مرة تهب فيها رياح الأزمات.
م. صلاح طه عبيدات يكتب: حين تتراكم الأزمات .. وتنتظر الدولة لحظة المراجعة
منذ 1 أسبوع
المشاهدات :
17501
م. صلاح طه عبيدات
وسوم:
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
02
03
04
آخر الأخبار
مقالات منوعة
أحمد محمد علي يكتب: وزير الصحة .. الوزير (الحوت)
منذ 33 دقيقة
مقالات منوعة
الغزو يكتب: شوارعنا نظيفه نهارا .. فلماذا يتغيّر وجهها مساءً؟
منذ 52 دقيقة
مقالات منوعة
محيلان يكتب: ٦٤ .. أم ٤٨ .. أم ٣٢ .. منتخباً في كأس العالم القادمة؟!
منذ 1 ساعة
مقالات منوعة
القرعان يكتب: التعليم المهني بين التجارب العالمية و الرؤية الاردنية
منذ 1 يوم
مقالات منوعة
لورنس سعيد الحوامده يكتب: نظرةٌ على تعديلاتِ قانون الجامعات المعدل لعام 2026م
منذ 1 يوم
أخبار فنية
فن
يسرا تعتذر من أسرة الموسيقار هاني شنودة وتوجّه لهم رسالة حزينة
منذ 48 دقيقة
فن
براءة وفاء مكي من تهمة سبّ وقذف متابِعة بسبب "لاب توب"
منذ 1 ساعة
فن
أين أخطأت النسويات بهجومهنّ على عبير الصغير؟
منذ 8 ساعات
فن
وفاة هاني شنودة رائد التجديد ومكتشف عمرو دياب ومحمد منير
منذ 8 ساعات
فن
القومى للمسرح المصرى يعلن العروض المشاركة فى دورته الـ19
منذ 8 ساعات
أخبار رياضية
رياضة
هوملز: محاكاة أسلوب لعب إسبانيا أضرت بالكرة الألمانية
منذ 28 دقيقة
رياضة
وسط الاحتفالات .. لامين يامال يسخر من غافي بعدما ضربه الأرجنتينيون
منذ 36 دقيقة
رياضة
استقبال شعبي مرتقب للحكم الدولي أدهم المخادمة
منذ 53 دقيقة
رياضة
إمام عاشور وزيكو سبقاه .. ترتيب محمد صلاح بين أفضل لاعبي كأس العالم
منذ 1 ساعة
رياضة
أفضل الحراس العرب في تصنيف الفيفا لنجوم كأس العالم 2026
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
منوعات من العالم
ترجيح علمي .. نيزك نادر قضى على الديناصورات قبل 66 مليون سنة
منذ 48 دقيقة
منوعات من العالم
جدل بعد فتح الهيكل الخارجي وتصوير قبر الصحابي الجليل أبو أيوب الأنصاري في تركيا .. فيديو
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
لا جيران ولا ضجيج .. جزيرة للبيع مقابل 2.2 مليون دولار
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
لماذا ارتدت الأميرة ليونور القميص رقم 26 أثناء استقبال منتخب إسبانيا؟
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
على طريقة أفلام “بوليوود” .. سرقة مدفع أثري وزنه 3 أطنان في الهند
منذ 1 ساعة
الرجاء الانتظار ...
التعليقات