الدكتور هاشم الرواشدة يكتب: الأردن .. وطن لم يبدأ من ملعب

منذ 1 أسبوع
المشاهدات : 88612
الدكتور هاشم الرواشدة يكتب: الأردن  ..  وطن لم يبدأ من ملعب

سرايا - ليس من حق أحد، مهما علا منصبه أو اتسعت صلاحياته، أن يختزل وطناً يمتد تاريخه آلاف السنين في مباراة كرة قدم، أو في إنجاز رياضي، أو في لحظة إعلامية عابرة.

فالأوطان لا تبدأ مع صافرة الحكم، ولا تُقاس قيمتها بعدد المباريات أو التصفيات الرياضية ، بل بما تركته في سجل الحضارة الإنسانية من أثر، وما قدمته عبر العصور من إسهام.

لقد أثار التصريح الذي قال فيه نائب رئيس اتحاد كرة القدم إن الأردن "لم يكن أحد يعرفه" قبل الإنجاز الرياضي، استغراباً واسعاً؛ لأنه لم يكن مجرد رأي في كرة القدم، بل كان اختزالاً غير مقبول لتاريخ وطن كامل، والأسوأ من ذلك أنه صدر من مسؤول يُفترض أن يكون أول من يدرك أن الرياضة تمثل الوطن، لا أنها تصنع وجوده.

فالأردن لم يولد مع كرة القدم، ولم يبدأ تاريخه مع تصفيات كأس العالم، ولم يكن مجهولاً حتى جاءت مباراة فعرّفته إلى الناس، وهذا تصور يجافي حقائق التاريخ، ويظلم وطناً شكّل إحدى أقدم صفحات الحضارة الإنسانية.

فإذا أردنا الحديث عن الأردن، فيجب أن نعود إلى عصور ما قبل التاريخ. فمنذ العصر الحجري القديم سكنت هذه الأرض جماعات بشرية تركت آثارها في وادي الحسا والأزرق والفجيج وغيرهما، ثم شهد العصر الحجري الحديث نشوء أولى القرى الزراعية المستقرة في المنطقة.

وفي عين غزال اكتُشفت تماثيل يعود عمرها إلى نحو عشرة آلاف عام، وهي من أقدم التماثيل البشرية في العالم. كما شهدت مواقع بسطة ووادي شعيب وغيرها بدايات الزراعة وتدجين الحيوان والاستقرار البشري، بينما قدّمت تليلات الغسول للعالم حضارة العصر النحاسي التي حملت اسمها في المراجع العلمية، لتصبح كلمة "الغسولية" مصطلحاً عالمياً في علم الآثار.

ومع العصر البرونزي ازدهرت المدن الكنعانية على أرض الأردن، وربطت طرق التجارة بين مصر وبلاد الرافدين وبلاد الشام، ثم ظهرت في العصر الحديدي ممالك عمون ومؤاب وأدوم، وهي دول ذات سيادة ونظم سياسية وعلاقات دولية، تركت نقوشاً ووثائق ما تزال شاهدة على مكانتها في التاريخ القديم.

ثم جاءت مملكة الأنباط، التي لم تكن مجرد كيان محلي، بل قوة اقتصادية وتجارية سيطرت على طرق البخور والتوابل، وربطت الجزيرة العربية بالشام ومصر والبحر المتوسط، وجعلت من البترا عاصمةً لإحدى أعظم الممالك التجارية في العالم القديم، حتى أصبحت اليوم إحدى عجائب الدنيا السبع الجديدة، ورمزاً عالمياً للحضارة الإنسانية.

وفي العصرين الروماني والبيزنطي، ازدهرت مدن جرش وفيلادلفيا وعمّان وأم قيس وبيلا وأربيلا، وشكلت معاً جزءاً من مدن الديكابولس الشهيرة، بينما حفظت مادبا للعالم خريطتها الفسيفسائية التي تُعد من أهم الوثائق الجغرافية في التاريخ المسيحي.

أما في صدر الإسلام، فلم يكن الأردن على هامش الأحداث، بل كان بوابة الفتح الإسلامي إلى بلاد الشام وفلسطين، وحلقة الوصل بين الجزيرة العربية والشام ومصر. وعلى أرضه وقعت معركة مؤتة، أول مواجهة بين المسلمين والروم، ثم معركة اليرموك التي غيّرت وجه التاريخ، ومعركة فحل التي مهدت لاستكمال فتح بلاد الشام. وعلى هذه الأرض يرقد عدد من كبار الصحابة، منهم جعفر بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة، وأبو عبيدة عامر بن الجراح، وشرحبيل بن حسنة، ومعاذ بن جبل، وضرار بن الأزور، لتبقى أرض الأردن شاهدةً على بدايات الحضارة الإسلامية.

وفي العصر الأموي، كان الأردن جزءاً من قلب الدولة الإسلامية، وشُيدت فيه روائع العمارة الأموية، مثل قصير عمرة، والمشتى، والحرانة، والأزرق، والموقر، وهي شواهد معمارية لا تزال تبهر المؤرخين والباحثين.

ومن الحميمة في جنوب الأردن انطلقت الدعوة العباسية التي أسقطت الدولة الأموية وأقامت الدولة العباسية، في واحد من أهم التحولات السياسية في التاريخ الإسلامي.

وخلال الحروب الصليبية، أصبحت أرض الأردن محوراً للصراع بين الشرق والغرب، فأنشأ الصليبيون بارونية ما وراء الأردن، وكانت نواتها قلعة الشوبك (مونتريال)، ثم قلعة الكرك مؤاب، وبعد تحريرهما على يد صلاح الدين، أصبحت الكرك والشوبك مركزاً سياسياً وإدارياً وعسكرياً مهماً في العصرين الأيوبي والمملوكي، وتشكلت مملكة الكرك والشوبك التي أدارت جنوب بلاد الشام، وأسهمت في حماية طرق التجارة والحج.

وفي العهد العثماني، كان الأردن شرياناً رئيسياً على درب الحج الشامي، ومحطةً أساسيةً لقوافل الحجاج المتجهة إلى مكة المكرمة. فأقيمت القلاع والخانات والبرك لتأمين الطريق، وأسهم أبناء الأردن في حماية الحجاج وخدمتهم، وهو دور حضاري وديني استمر قروناً طويلة.

ثم جاء العصر الحديث، فكان الأردن أحد ميادين الثورة العربية الكبرى، ومنطلقاً لبناء الدولة الأردنية الحديثة، التي رسخت مكانتها السياسية والدبلوماسية، وأسهمت في حفظ الاستقرار الإقليمي، واستقبلت ملايين اللاجئين، وشاركت في قوات حفظ السلام، وأصبحت دولةً ذات حضور واحترام على الساحة الدولية.

ولم يكن حضور الأردن الحديث حضوراً سياسياً ودبلوماسياً فحسب، بل كان حضور فيه تضحيات بطولية ودماء زكية ومواقف قومية. ففي حرب عام 1948، قدّم الجيش العربي الأردني شهداءه على أسوار القدس وفي اللطرون وباب الواد، دفاعاً عن فلسطين والأقصى وقبة الصخرة المشرفة، وفي عام 1968 سطّر الأردنيون في معركة الكرامة صفحةً خالدةً من الصمود، حين امتزج دم الجندي الأردني بالموقف العربي في مواجهة الاحتلال.

وفي حرب عام 1973، كان للأردن موقفه القومي ومشاركته العسكرية على الجبهة السورية، تأكيداً أن الأردن لم يكن يوماً خارج قضايا أمته، ولا متفرجاً على آلامها. وهذه التضحيات ليست تفصيلاً عابراً في تاريخ الوطن، بل هي من صميم هويته وكرامته؛

فالوطن لا يُقاس فقط بما يُسجله لاعب في مرمى، بل بما يقدمه شهيدٌ على ثراه، وقطرة دم شهيدٍ في سبيل الوطن والأمة أعظم من ألف هدفٍ عابرٍ في ذاكرة مباراة.

بعد هذا التاريخ الممتد من عصور ما قبل التاريخ إلى الدولة الحديثة، ومن الحضارة إلى الشهادة، يأتي من يقول إن الأردن لم يكن معروفاً إلا بعد إنجاز رياضي!!!!!.

لا أحد ينكر أن المنتخب الأردني حقق إنجازاً تاريخياً يستحق الفخر، وأن التأهل إلى كأس العالم يمثل صفحةً مشرقةً في سجل الوطن، لكن هذه الصفحة ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة. فالمنتخب أضاف صفحةً جميلةً إلى تاريخ الأردن، ولم يكتب هذا التاريخ من بدايته.

كان الأولى بمسؤول رياضي أن يقول إن المنتخب عزز الحضور الإعلامي للأردن، أو وسّع دائرة الاهتمام به رياضياً، فهذا كلام منطقي. أما أن يُوحي بأن الأردن كان مجهولاً حتى جاءت كرة القدم، فذلك يجافي الحقيقة، ويختزل حضارةً عمرها آلاف السنين وتضحياتٍ سقاها الشهداء بدمائهم في تسعين دقيقة.

إن المشكلة ليست في زلة لسان، بل في الفكرة نفسها؛ فكرة اختزال وطنٍ في إنجاز رياضي، واختزال تاريخٍ صنعته الحضارات والرسالات والمعارك والدول والتضحيات في مباراة كرة قدم. فالمنتخب الأردني لا يمنح الأردن هويته، بل يستمد هويته من الأردن. واللاعبون لا يصنعون تاريخ البلاد من الصفر، وإنما يضيفون فصلاً جديداً إلى كتابٍ طويلٍ كتبته الحضارة، وحفظته الذاكرة، ووقّعه الشهداء بدمائهم.

فالأمم العريقة لا تستمد هويتها من نتيجة مباراة، ولا تبحث عن شهادة وجود من ملعب. والأردن لم يعرفه العالم لأن لاعباً سجل هدفاً، بل عرفه لأنه أرض حضارةٍ ورسالاتٍ ومعارك ومواقف، ولأنه وطنٌ قدّم الشهداء، وحمى الطرق، ووقف مع قضايا أمته، وبقي حاضراً في وجدان العرب والتاريخ.

أما نتائج المباريات، فستبقى لحظاتٍ جميلةً في ذاكرة الشعوب، لكنها لن تكون يوماً بديلاً عن تاريخٍ عمره آلاف السنين، ولا عن دم شهيدٍ سال دفاعاً عن الأرض والكرامة. فالأردن كان وسيبقى وطناً تصنعه الحضارة والتضحيات، ولم تصنعه صافرة حكم أطلقها على أرض أحد الملاعب!.

إقرأ ايضاَ
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم