في كل زمان كانت هناك معارك صامتة لا تتوقف بين الحقيقة والهوى ، وبين الكلمة التي تشتعل لتضيء الظلام ، والأصوات الصاخبة التي تجوب الطريق.
لم يكن الإعلام الحرُ يومًا من الأيام مهنة للباحثين عن الراحة ، بل هو طريق وعرٌ يسير فيه من آمن برسالة الكلمة ، وأمانة الحق ، ولم يتخذ القلمَ زينةً في جيبه وعلى مكتبه.
فالإعلامي النزيه لا يقف عند أبواب أصحاب النفوذ مُستجديا رضاهم ، ولا تبدِّلُ الرياح مواقفه كيفما كان اتجاهها ، ولا يزنُ الحقائقَ بميزان المصالح ، إنما هو ذلك الإنسان الذي يفتح نافذته كل صباح ؛ ليطلَّ على الناس على أرضهم ، ويحتسي قهوة همومهم وآلامهم وأسئلتهم ، ثم تفجؤه الأمانة ، وتأخذه أحيانا إلى سوق يخسرُ فيه كلَّ متاعه ليبقى شريفا ، وتكلفه الكلمة ثمنًا باهظاً ، فسراطُ الصدق محفوفٌ بكلاليب الباطل والكذب.
ولعل أكثر ما يواجهه أصحابُ الأقلام الحرة ليس الخصومَ المعلنين ، بل أولئك الذين يضيقون صدرًا بالنقد حين يقترب منهم ، أو يعضُ رغيفهم ، ويصفقون له حين يعلق بالأغيار.
والإنسان بطبيعته يحب المديح ، لكن القليل فقط من يمتلك الشجاعة ليستمعَ إلى الملاحظات بهدوء ، ويستقبل النقد باعتباره زاوية مغايرة للرؤية ، ومحطة من محطات التطوير والتحسين والإعمار.
وحين تتضخم صورة الذات في المرآة ، يصبح أيُّ سؤالٍ اتهاماً ، وأيُّ ملاحظة مؤامرة ، وأيُّ رأي مختلف اعتداءً شخصياً ، وحينها لا يعود النقاش بحثاً عن الحقيقة ولا يخدمها ، إذ يتحول إلى معركة للدفاع عن صورة متخيلة صنعها الإعجاب المتراكم والقدسية المصطنعة.
إن النرجسية لا تبدأ عندما يحب الإنسان نجاحه ، فذلك أمرٌ مشروع ، وإنما تبدأ عندما يعتقد المرءُ أن نجاحه يربو به عن النقد، و يمنحُه حصانة الأنبياء.
فكم من مشاريع عظيمة أفسدتها لحظة غرور ؟ وكم من مؤسسات ناجحة خسرت شيئاً من بريقها لأنها استبدلت لغة الحوار بلغة الاتهام ؟ وكم من شخصيات صنعتها سنوات طويلة من العمل الجاد ، ثم خدشت صورتها كلمةٌ متعجلة ، أو ردٌّ غير موفَّق ، أو اتهامٌ غيرُ محسوب ؟
وأصحاب الرسالات الإعلامية الحقيقية يدركون أن نقلَ صوت الناس ليس جريمة ، وأن الاختلاف في الرأي لا يعني الخصومة ، فالصحافة التي لا تزعج الفسادَ ليست صحافة ، والكلمة التي لا توصِّفُ مواطن الخلل ليست كلمة.
والإعلامي الذي يخشى غضبَ أصحاب المصالح أكثر مما يخشى ضميرَه ، لا يستطيع أن يكون شاهداً على عصره ؛ فالأممُ القوية تقوم بوجود أصواتٍ مستقلةٍ تراقب وتنتقد وتناقش وتراجع ؛ لأن النقد أقوى أدوات بناء الأوطان ، ومن يخلط بين النقد والعداء ، وبين السؤال والمؤامرة ، حتمًا يسيءُ إلى نفسه أكثر مما يسيءُ للآخرين.
والفرق كبيرٌ بين من يرى في النقد فرصةً للتطوير ، ومن يراه طعناً في الكبرياء ، فالأولُ يزدادُ نضجًا كلما استمع ، والثاني يزداد عزلة كلما غضب ، وفي النهاية لا يبقى للناس شاهدًا إلا الأثرُ الصالحُ ، أما الضجيجُ فينتهي ، ويهدأ الانفعالُ ، والمكائدُ تذروها الأيام ، ويخلدُ ما ينفعُ الناسَ ، وتخلدُ الكلمةُ الصادقةُ ؛ لأنها لم تُكتب دفاعاً عن شخص ، ولا هجوماً عليه ، إنما كُتِبتْ انتصاراً لقيمة أسمى ؛ قيمة أن يبقى للحقِ أعوان وأنصار ، ويبقى صوت الجوعى والمظلومين مسموعاً ، ويظلُّ القلمُ الحرُّ كما هي مهمته التي وُجد من أجلها واقفاً في وجه الظلام والجهل والضياع والفوضى ، لا يطريه تصفيقٌ ، ولا يثنيه وعيدٌ ، فالحقوق لا يحرسها الصمت ، والمجتمعات لا تتقدم بالمجاملات ، وتبقى الكلمة الحرة واحدة من آخر القلاع التي تحمي الحقيقة من الغرق في بحر المصالح والأهواء.
لم يكن الإعلام الحرُ يومًا من الأيام مهنة للباحثين عن الراحة ، بل هو طريق وعرٌ يسير فيه من آمن برسالة الكلمة ، وأمانة الحق ، ولم يتخذ القلمَ زينةً في جيبه وعلى مكتبه.
فالإعلامي النزيه لا يقف عند أبواب أصحاب النفوذ مُستجديا رضاهم ، ولا تبدِّلُ الرياح مواقفه كيفما كان اتجاهها ، ولا يزنُ الحقائقَ بميزان المصالح ، إنما هو ذلك الإنسان الذي يفتح نافذته كل صباح ؛ ليطلَّ على الناس على أرضهم ، ويحتسي قهوة همومهم وآلامهم وأسئلتهم ، ثم تفجؤه الأمانة ، وتأخذه أحيانا إلى سوق يخسرُ فيه كلَّ متاعه ليبقى شريفا ، وتكلفه الكلمة ثمنًا باهظاً ، فسراطُ الصدق محفوفٌ بكلاليب الباطل والكذب.
ولعل أكثر ما يواجهه أصحابُ الأقلام الحرة ليس الخصومَ المعلنين ، بل أولئك الذين يضيقون صدرًا بالنقد حين يقترب منهم ، أو يعضُ رغيفهم ، ويصفقون له حين يعلق بالأغيار.
والإنسان بطبيعته يحب المديح ، لكن القليل فقط من يمتلك الشجاعة ليستمعَ إلى الملاحظات بهدوء ، ويستقبل النقد باعتباره زاوية مغايرة للرؤية ، ومحطة من محطات التطوير والتحسين والإعمار.
وحين تتضخم صورة الذات في المرآة ، يصبح أيُّ سؤالٍ اتهاماً ، وأيُّ ملاحظة مؤامرة ، وأيُّ رأي مختلف اعتداءً شخصياً ، وحينها لا يعود النقاش بحثاً عن الحقيقة ولا يخدمها ، إذ يتحول إلى معركة للدفاع عن صورة متخيلة صنعها الإعجاب المتراكم والقدسية المصطنعة.
إن النرجسية لا تبدأ عندما يحب الإنسان نجاحه ، فذلك أمرٌ مشروع ، وإنما تبدأ عندما يعتقد المرءُ أن نجاحه يربو به عن النقد، و يمنحُه حصانة الأنبياء.
فكم من مشاريع عظيمة أفسدتها لحظة غرور ؟ وكم من مؤسسات ناجحة خسرت شيئاً من بريقها لأنها استبدلت لغة الحوار بلغة الاتهام ؟ وكم من شخصيات صنعتها سنوات طويلة من العمل الجاد ، ثم خدشت صورتها كلمةٌ متعجلة ، أو ردٌّ غير موفَّق ، أو اتهامٌ غيرُ محسوب ؟
وأصحاب الرسالات الإعلامية الحقيقية يدركون أن نقلَ صوت الناس ليس جريمة ، وأن الاختلاف في الرأي لا يعني الخصومة ، فالصحافة التي لا تزعج الفسادَ ليست صحافة ، والكلمة التي لا توصِّفُ مواطن الخلل ليست كلمة.
والإعلامي الذي يخشى غضبَ أصحاب المصالح أكثر مما يخشى ضميرَه ، لا يستطيع أن يكون شاهداً على عصره ؛ فالأممُ القوية تقوم بوجود أصواتٍ مستقلةٍ تراقب وتنتقد وتناقش وتراجع ؛ لأن النقد أقوى أدوات بناء الأوطان ، ومن يخلط بين النقد والعداء ، وبين السؤال والمؤامرة ، حتمًا يسيءُ إلى نفسه أكثر مما يسيءُ للآخرين.
والفرق كبيرٌ بين من يرى في النقد فرصةً للتطوير ، ومن يراه طعناً في الكبرياء ، فالأولُ يزدادُ نضجًا كلما استمع ، والثاني يزداد عزلة كلما غضب ، وفي النهاية لا يبقى للناس شاهدًا إلا الأثرُ الصالحُ ، أما الضجيجُ فينتهي ، ويهدأ الانفعالُ ، والمكائدُ تذروها الأيام ، ويخلدُ ما ينفعُ الناسَ ، وتخلدُ الكلمةُ الصادقةُ ؛ لأنها لم تُكتب دفاعاً عن شخص ، ولا هجوماً عليه ، إنما كُتِبتْ انتصاراً لقيمة أسمى ؛ قيمة أن يبقى للحقِ أعوان وأنصار ، ويبقى صوت الجوعى والمظلومين مسموعاً ، ويظلُّ القلمُ الحرُّ كما هي مهمته التي وُجد من أجلها واقفاً في وجه الظلام والجهل والضياع والفوضى ، لا يطريه تصفيقٌ ، ولا يثنيه وعيدٌ ، فالحقوق لا يحرسها الصمت ، والمجتمعات لا تتقدم بالمجاملات ، وتبقى الكلمة الحرة واحدة من آخر القلاع التي تحمي الحقيقة من الغرق في بحر المصالح والأهواء.
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات