أ.صايل خليفات يكتب: ما يمكثُ على الأرض وما يطفو على المائدة .. إهداء إلى القامة الإعلامية الوطنية هاشم "أو هشام " الخالدي

منذ 3 ساعات
المشاهدات : 27842
أ.صايل خليفات يكتب: ما يمكثُ على الأرض وما يطفو على المائدة ..  إهداء إلى القامة الإعلامية الوطنية هاشم "أو هشام " الخالدي
أ. صايل خليفات

أ. صايل خليفات

في كل زمان كانت هناك معارك صامتة لا تتوقف بين الحقيقة والهوى ، وبين الكلمة التي تشتعل لتضيء الظلام ، والأصوات الصاخبة التي تجوب الطريق.
لم يكن الإعلام الحرُ يومًا من الأيام مهنة للباحثين عن الراحة ، بل هو طريق وعرٌ يسير فيه من آمن برسالة الكلمة ، وأمانة الحق ، ولم يتخذ القلمَ زينةً في جيبه وعلى مكتبه.
فالإعلامي النزيه لا يقف عند أبواب أصحاب النفوذ مُستجديا رضاهم ، ولا تبدِّلُ الرياح مواقفه كيفما كان اتجاهها ، ولا يزنُ الحقائقَ بميزان المصالح ، إنما هو ذلك الإنسان الذي يفتح نافذته كل صباح ؛ ليطلَّ على الناس على أرضهم ، ويحتسي قهوة همومهم وآلامهم وأسئلتهم ، ثم تفجؤه الأمانة ، وتأخذه أحيانا إلى سوق يخسرُ فيه كلَّ متاعه ليبقى شريفا ، وتكلفه الكلمة ثمنًا باهظاً ، فسراطُ الصدق محفوفٌ بكلاليب الباطل والكذب.
ولعل أكثر ما يواجهه أصحابُ الأقلام الحرة ليس الخصومَ المعلنين ، بل أولئك الذين يضيقون صدرًا بالنقد حين يقترب منهم ، أو يعضُ رغيفهم ، ويصفقون له حين يعلق بالأغيار.
والإنسان بطبيعته يحب المديح ، لكن القليل فقط من يمتلك الشجاعة ليستمعَ إلى الملاحظات بهدوء ، ويستقبل النقد باعتباره زاوية مغايرة للرؤية ، ومحطة من محطات التطوير والتحسين والإعمار.
وحين تتضخم صورة الذات في المرآة ، يصبح أيُّ سؤالٍ اتهاماً ، وأيُّ ملاحظة مؤامرة ، وأيُّ رأي مختلف اعتداءً شخصياً ، وحينها لا يعود النقاش بحثاً عن الحقيقة ولا يخدمها ، إذ يتحول إلى معركة للدفاع عن صورة متخيلة صنعها الإعجاب المتراكم والقدسية المصطنعة.
إن النرجسية لا تبدأ عندما يحب الإنسان نجاحه ، فذلك أمرٌ مشروع ، وإنما تبدأ عندما يعتقد المرءُ أن نجاحه يربو به عن النقد، و يمنحُه حصانة الأنبياء.
فكم من مشاريع عظيمة أفسدتها لحظة غرور ؟ وكم من مؤسسات ناجحة خسرت شيئاً من بريقها لأنها استبدلت لغة الحوار بلغة الاتهام ؟ وكم من شخصيات صنعتها سنوات طويلة من العمل الجاد ، ثم خدشت صورتها كلمةٌ متعجلة ، أو ردٌّ غير موفَّق ، أو اتهامٌ غيرُ محسوب ؟
وأصحاب الرسالات الإعلامية الحقيقية يدركون أن نقلَ صوت الناس ليس جريمة ، وأن الاختلاف في الرأي لا يعني الخصومة ، فالصحافة التي لا تزعج الفسادَ ليست صحافة ، والكلمة التي لا توصِّفُ مواطن الخلل ليست كلمة.
والإعلامي الذي يخشى غضبَ أصحاب المصالح أكثر مما يخشى ضميرَه ، لا يستطيع أن يكون شاهداً على عصره ؛ فالأممُ القوية تقوم بوجود أصواتٍ مستقلةٍ تراقب وتنتقد وتناقش وتراجع ؛ لأن النقد أقوى أدوات بناء الأوطان ، ومن يخلط بين النقد والعداء ، وبين السؤال والمؤامرة ، حتمًا يسيءُ إلى نفسه أكثر مما يسيءُ للآخرين.
والفرق كبيرٌ بين من يرى في النقد فرصةً للتطوير ، ومن يراه طعناً في الكبرياء ، فالأولُ يزدادُ نضجًا كلما استمع ، والثاني يزداد عزلة كلما غضب ، وفي النهاية لا يبقى للناس شاهدًا إلا الأثرُ الصالحُ ، أما الضجيجُ فينتهي ، ويهدأ الانفعالُ ، والمكائدُ تذروها الأيام ، ويخلدُ ما ينفعُ الناسَ ، وتخلدُ الكلمةُ الصادقةُ ؛ لأنها لم تُكتب دفاعاً عن شخص ، ولا هجوماً عليه ، إنما كُتِبتْ انتصاراً لقيمة أسمى ؛ قيمة أن يبقى للحقِ أعوان وأنصار ، ويبقى صوت الجوعى والمظلومين مسموعاً ، ويظلُّ القلمُ الحرُّ كما هي مهمته التي وُجد من أجلها واقفاً في وجه الظلام والجهل والضياع والفوضى ، لا يطريه تصفيقٌ ، ولا يثنيه وعيدٌ ، فالحقوق لا يحرسها الصمت ، والمجتمعات لا تتقدم بالمجاملات ، وتبقى الكلمة الحرة واحدة من آخر القلاع التي تحمي الحقيقة من الغرق في بحر المصالح والأهواء.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم