امل خضر تكتب: حين سألني الملك ماذا بقي بين الناس والدولة؟

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 47605
 امل خضر تكتب: حين سألني الملك ماذا بقي بين الناس والدولة؟
أمل خضر

أمل خضر

رأيته في المنام.
لم يكن حلمًا عابرًا من تلك الأحلام التي تتبخر مع أول ضوء للصباح بل بدا وكأنه لقاء رتبه الوطن نفسه ليضع بين يديّ سؤالًا أثقل من الكلمات كان جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين واقفًا أمامي بهدوئه المعهود نظر إليّ وقال
"كيف حالكم؟"
أجبته كما يفعل الأردنيون دائمًا
"بخير يا سيدي."
لكنّه أعاد السؤال"أريد الحقيقة كيف حال الناس؟"
في تلك اللحظة شعرت أن كل العبارات الجاهزة سقطت من ذاكرتي.
قلت
"يا سيدي، أخشى أن يكون ما سأقوله موجعًا."
فقال الأوطان لا تخشى الحقيقة، بل تخشى إخفاءها.
عندها بدأت الحديث.
قلت
يا سيدي ليست أزمة الأردن في قلة الإمكانات كما يعتقد البعض فالأمم الفقيرة بالموارد صنعت معجزات حين امتلكت الإدارة العادلة والرؤية الواضحة وأمتنا ليست فقيرة بالعقول ولا بالخبرات ولا بالإرادة. مشكلتنا الحقيقية أن كثيرًا من الثروات البشرية ما زالت معطلة، وكثيرًا من الفرص تضيع قبل أن تصل إلى أصحابها.
ثم تابعت لقد أصبح السؤال الذي يتردد في الشارع الأردني ليس كيف ننجح؟ بل هل ما زال النجاح ممكنًا دون نفوذ؟
صمتُ قليلًاثم قلت
حين يبدأ المواطن بالتشكيك بعدالة الفرصة تصبح المشكلة أكبر من الاقتصاد وأعمق من الأرقام. لأن الدولة لا تقوم فقط على القوانين، بل على الثقة. والثقة هي رأس المال الذي لا تستطيع الخزائن تعويضه إذا تآكل.
نظرت إلى جلالته وأكملت
يا سيدي، أخطر أنواع الفساد ليس ذلك الذي يُسرق فيه المال العام فقط بل ذلك الذي تُسرق فيهالأحلام. حين يشعر شاب متفوق أن اجتهاده أقل قيمة من واسطة غيره. وحين يقتنع موظف كفؤ أن سقف طموحه تحدده العلاقات لا الإنجازات. وحين يصبح الإحباط سياسة غير معلنة تدفع العقول إلى الهجرة والطاقات إلى الانكفاء.
ثم قلت
إن خسارة العقول أخطر من خسارة الأموال فالمال يمكن تعويضه، أما الإنسان الذي يحمل خبرة ومعرفة وطموحًا ثم يرحل، فإنه يأخذ معه جزءًا من المستقبل.
واسترسلت لقد أصبح كثير من الأردنيين يشعرون أن هناك دولتين دولة في الخطابات والتقارير والمؤتمرات، ودولة أخرى يعيشونها كل يوم في البحث عن عمل، وفي الانتظار الطويل، وفي شعور متزايد بأن الإنجاز وحده لا يكفي.
ثم قلت المواطن لا يريد امتيازات استثنائية، ولا يبحث عن معجزة اقتصادية. يريد فقط أن يطمئن أن القانون أقوى من النفوذ، وأن الكفاءة أعلى قيمة من المجاملة، وأن تعب السنين لن يهزم أمام مكالمة هاتف.
كان الصمت يزداد عمقًا.
فأكملت يا سيدي، ليست البطالة مجرد رقم في تقرير اقتصادي. إنها مشروع قلق يومي. وهي أم تؤجل أحلام أبنائها، وأب يعجز عن بناء مستقبله، وشاب يفقد إيمانه تدريجيًا بأن الوطن يستطيع احتضان طموحه.
ثم أضفت أما الترهل الإداري، فليس مجرد بطء في الإجراءات. إنه استنزاف للوقت والفرص والثقة. فالدول الحديثة تتسابق على اختصار الطريق أمام المستثمر والمبدع والمواطن، بينما ما زالت بعض مؤسساتنا تستهلك الطاقات بدل أن تطلقها.
وقلت هناك حقيقة يجب ألا نخشى الاعتراف بها؛ ليست كل مشكلة سببها نقص المال، فكثير من المشكلات سببها سوء القرار، وضعف المتابعة، وغياب المساءلة. فالدولة التي تحاسب بجدية تتقدم، والدولة التي تتسامح مع التقصير تدفع الثمن من مستقبلها.
ثم رفعت رأسي وقلت
يا سيدي، ما يؤلم الأردنيين ليس ضيق الحال وحده، بل شعورهم أحيانًا أن صوتهم لا يصل، وأن معاناتهم تُخفف في التقارير قبل أن تُحل على الأرض.
وأردفت كل من يخبرك أن كل شيء على ما يرام لا يحمي الوطن، بل يحجب عنه الصورة الكاملة. فالأوطان لا تتقدم بالمجاملات، ولا تُدار بالتطمين المبالغ فيه، ولا تُبنى على تقارير مصقولة تخفي الشقوق التي تتسع تحت السطح.
ثم قلت إن قوة الأردن لم تكن يومًا في موارده المحدودة، بل في شعبه. في المعلم الذي صنع أجيالًا، والطبيب الذي رفع اسم بلده، والجندي الذي حمى حدوده، والموظف الشريف الذي حافظ على مؤسسات الدولة. هؤلاء هم الثروة الحقيقية، وأي سياسة لا تضعهم في مقدمة أولوياتها تفقد بوصلتها.
وأكملت لقد أثبتت السنوات أن الدول لا تسقط بسبب الفقر وحده، ولا بسبب الأزمات وحدها، بل حين تتآكل العدالة، ويتراجع الشعور بالمساواة، وتتسع الفجوة بين الجهد والمكافأة، وبين الكفاءة والموقع.
ثم قلت آخر ما في القلب
يا سيدي، الأردن بخير بقيادتكم، لكنه يستحق أن يكون أفضل. يستحق إدارة تسبق الطموح لا تعرقله. ويستحق اقتصادًا يفتح الأبواب بدل أن يضيقها. ويستحق أن يشعر كل أردني أن مكانه يحدده عطاؤه لا اسمه، وعمله لا علاقاته.
ابتسم جلالته ابتسامة هادئة وقال
لا قيمة لصوت لا يحمل الحقيقة، ولا قيمة لحقيقة لا يراد لها أن تصل.
ثم اختفى المشهد.
استيقظت.
لكن السؤال بقي معلقًا في ذهني
كم من الفرص أضعناها لأننا خفنا من مواجهة الخلل؟
وكم من الطاقات أهدرناها لأننا تأخرنا في منحها المكان الذي تستحق؟
فالأردن ليس وطنًا يعاني من نقص الأمل، بل من تأخر الوصول إليه.
ووطن يقوده ملك يحمل همّ شعبه، ويملك هذا الرصيد من الوعي والكفاءات والانتماء، لا يستحق إدارة للأزمات فقط، بل يستحق صناعة للمستقبل."وحين سألت نفسي بعد كل ما قيل ماذا بقي بين الناس والدولة؟ وجدت أن الجواب ليس قليلًا كما يظن البعض. ما زال هناك الانتماء الذي يصمد رغم التعب، وما زالت هناك الثقة التي تتراجع لكنها لم تنكسر، وما زال الأردني حين تضيق به الأحوال يختلف مع المسؤول لكنه لا يختلف على وطنه. غير أن هذه المسافة بين الناس والدولة لم تعد تحتمل مزيدًا من الاتساع فهي تُردم بالعدالة لا بالشعارات، وبالإنجاز لا بالوعود، وبأن يشعر المواطن أن الدولة تراه وتسمعه وتنصفه."
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم