نوفل يكتب: من يقود القرار في لحظات الأزمة .. تل أبيب أم واشنطن؟

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 11877
نوفل يكتب: من يقود القرار في لحظات الأزمة ..  تل أبيب أم واشنطن؟
الصيدلي عدوان قشمر نوفل

الصيدلي عدوان قشمر نوفل

تكشف التغطيات التي نشرتها الصحافة العبرية خلال الأيام الأخيرة عن مشهد سياسي وأمني بالغ الأهمية، يتجاوز حدود الهجوم الإيراني الأخير وردود الفعل الإسرائيلية عليه، ليلامس طبيعة العلاقة الحقيقية بين الولايات المتحدة وإسرائيل في لحظات اتخاذ القرارات المصيرية. فبعيداً عن التصريحات العلنية التي تؤكد دائماً استقلالية القرار الإسرائيلي، تظهر الوقائع أن واشنطن ما زالت تمسك بالمفاتيح الأساسية عندما يتعلق الأمر بالحرب والسلم في الشرق الأوسط.

فبعد حالة الاستنفار التي أعقبت الهجوم الإيراني على أهداف في شمال إسرائيل، بدت المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية وكأنها تتجه نحو رد واسع قد يفتح الباب أمام مواجهة مباشرة مع إيران. غير أن التطورات اللاحقة أظهرت أن الحسابات الأميركية كانت مختلفة، وأن الإدارة الأميركية لم تكن مستعدة للسماح بانفجار إقليمي جديد قد يخرج عن السيطرة.

ومن خلال متابعة ما تنشره وسائل الإعلام الإسرائيلية، يمكن ملاحظة أن النقاش لم يكن يدور حول ضرورة الرد فقط، بل حول حدود هذا الرد وإمكاناته وتداعياته. فالإدارة الأميركية تنظر إلى المنطقة من زاوية أوسع تشمل أمن الطاقة والاقتصاد العالمي واستقرار الحلفاء العرب ومصالح الولايات المتحدة العسكرية المنتشرة في المنطقة. أما إسرائيل فتنظر إلى الحدث من زاوية الردع واستعادة الهيبة ومنع خصومها من الاعتقاد بأنهم قادرون على فرض معادلات جديدة.

هذه الفجوة في الرؤية ليست جديدة، لكنها برزت هذه المرة بصورة أوضح. فواشنطن تدرك أن أي ضربة كبيرة داخل إيران قد تؤدي إلى ردود متبادلة تتجاوز حدود الصراع الحالي، وربما تدفع المنطقة بأكملها إلى مرحلة من عدم الاستقرار يصعب احتواؤها. ولذلك فضلت الإدارة الأميركية ممارسة ضغوط سياسية مباشرة لضبط الإيقاع ومنع التصعيد.

وإذا كانت إسرائيل قد قبلت في النهاية تقليص خياراتها العسكرية، فإن ذلك يعكس إدراكاً عميقاً لحجم الاعتماد الاستراتيجي على الولايات المتحدة. فالعلاقة بين الطرفين ليست مجرد تحالف سياسي عابر، بل شبكة متداخلة من المصالح العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية تجعل من الصعب على أي حكومة إسرائيلية تجاهل الرغبات الأميركية في القضايا الكبرى.

وما يلفت الانتباه أن الصحافة العبرية نفسها بدأت تتحدث بصورة متزايدة عن حدود القوة الإسرائيلية عندما تتعارض مع أولويات واشنطن. فالمشهد الذي ظهر خلال هذه الأزمة أوحى بأن الولايات المتحدة لا تريد حرباً جديدة، وأن إسرائيل لا تستطيع خوض حرب واسعة من دون غطاء أميركي كامل. وبين هذين الموقفين تشكلت معادلة جديدة فرضت على تل أبيب إعادة حساباتها والتراجع عن بعض الخيارات التي كانت مطروحة على الطاولة.

وفي قراءة أعمق لما بين السطور، يبدو أن إدارة ترامب تسعى إلى إدارة الصراع مع إيران وفق قواعد مختلفة عن تلك التي يفضلها بعض صناع القرار في إسرائيل. فالبيت الأبيض يريد الحفاظ على أوراق الضغط السياسية والاقتصادية، في حين ترى بعض الأوساط الإسرائيلية أن الوقت قد يكون مناسباً لفرض وقائع جديدة بالقوة العسكرية. لكن التجربة الأخيرة أظهرت أن الكلمة الأخيرة ما زالت لواشنطن عندما يتعلق الأمر بالقرارات التي قد تشعل الشرق الأوسط بأكمله.

من هنا، فإن الحدث لا يتعلق فقط بإلغاء ضربة أو تأجيل عملية عسكرية، بل يعكس ميزان القوى الحقيقي داخل التحالف الأميركي الإسرائيلي. فبينما تمتلك إسرائيل القدرة على التأثير في السياسات الأميركية أحياناً، تبقى الولايات المتحدة الطرف القادر على رسم الخطوط الحمراء عندما تكون المصالح الاستراتيجية الكبرى على المحك.

وعليه، فإن ما جرى خلال الأيام الماضية قد يكون مؤشراً على مرحلة جديدة تتزايد فيها الحاجة الإسرائيلية إلى التنسيق مع واشنطن قبل الإقدام على خطوات كبرى، خصوصاً في الملف الإيراني. كما أنه يرسل رسالة واضحة إلى مختلف الأطراف الإقليمية بأن قرار الحرب الشاملة في المنطقة لا يزال قراراً دولياً معقداً، وليس قراراً إسرائيلياً منفرداً، مهما ارتفعت حدة الخطاب السياسي أو العسكري.

وبينما تبدو الأزمة الحالية وكأنها انتهت مؤقتاً، فإن جذور التوتر ما زالت قائمة، ما يعني أن الاختبار الحقيقي لم يأتِ بعد. فالسؤال الذي ستجيب عنه الأحداث المقبلة ليس ما إذا كانت إسرائيل سترد على إيران، بل ما إذا كانت الولايات المتحدة ستسمح بأن يتحول الصراع القائم إلى مواجهة إقليمية مفتوحة، وهو سؤال سيحدد شكل الشرق الأوسط في المرحلة القادمة.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم