عبيدات يكتب: أنا أفكر .. أنا مجنون

منذ 1 يوم
المشاهدات : 26641
عبيدات يكتب: أنا أفكر  .. أنا مجنون
م. صلاح طه عبيدات

م. صلاح طه عبيدات

لا يعود السؤال: من هو العاقل؟ في الأزمنة المضطربة، بل يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: من الذي يملك سلطة تعريف العقل والجنون؟
ذلك أن المجتمعات، كما الأفراد، قد تمر بلحظات تاريخية تفقد فيها بوصلتها الأخلاقية والفكرية، فتختلط المعايير، وتتبدل الأسماء، ويصبح الخطأ وجهة نظر، والعبث سياسة، والفوضى منهجاً، بينما يُنظر إلى أصحاب الرؤية والنقد وكأنهم خارجون عن السرب، أو كما كان يقال قديماً: "مصابون بشيء من الجنون".
ولعل أعظم مأساة في تاريخ الأمم ليست أن يكثر فيها الجهل، بل أن يضيع فيها معيار الحقيقة. فحين يحدث ذلك، تتحول المؤسسات إلى هياكل، والقوانين إلى نصوص، والشعارات إلى أصوات جوفاء، بينما يتآكل المعنى الحقيقي للدولة والمجتمع والإنسان.
إن المتأمل في واقع عالمنا العربي يكتشف أننا كثيراً ما نعيش مفارقة فلسفية قاسية؛ إذ نمتلك من الخطط والاستراتيجيات والرؤى ما يكفي لبناء المستقبل، لكننا نعجز عن تحويلها إلى واقع. نرفع شعارات الإصلاح بينما نقاوم أدواته، ونتحدث عن التحديث ونحن نخشى التغيير، ونبشر بالإبداع فيما نعاقب المبادرة.
فالمشكلة ليست دائماً في نقص الأفكار، بل في البيئة التي تتعامل معها. وحين تصبح الممارسات اليومية مناقضة للقيم المعلنة، يتحول التناقض إلى ثقافة، وتصبح الفجوة بين القول والفعل جزءاً من المشهد العام.
لقد أدرك الفلاسفة منذ القدم أن الجنون ليس دائماً فقدان العقل، بل قد يكون أحياناً رفضاً جماعياً للاعتراف بالحقيقة. فحين يصرخ طفل بأن الإمبراطور عارٍ بينما يصفق الجميع لثيابه الوهمية، لا يكون الطفل هو الغريب، بل يكون المجتمع بأسره قد دخل منطقة خطرة من الوهم الجماعي.
وهذا ما نراه اليوم في كثير من جوانب حياتنا العامة؛ حيث تُستنزف الطاقات في معارك هامشية، وتُهدر الكفاءات في صراعات شخصية، وتُدفن الأفكار الجيدة تحت ركام البيروقراطية والتردد والخوف من المسؤولية.
إن أخطر أنواع الجنون المؤسسي ليس اتخاذ القرار الخاطئ، بل تكرار القرار الخاطئ مرات عديدة مع توقع نتائج مختلفة. وهو ما يجعل بعض المؤسسات تدور في الحلقة ذاتها لعقود طويلة، فتتغير الوجوه ويبقى الأداء كما هو، وتتبدل الشعارات بينما تستمر المشكلات نفسها.
ومن هنا فإن التحدي الحقيقي أمام أي مشروع نهضوي لا يكمن في صياغة الرؤى، بل في بناء العقل المؤسسي القادر على تنفيذها. فالرؤية بلا أدوات تنفيذ حلم جميل، والخطط بلا ثقافة مؤسسية أوراق أنيقة، والتحديث بلا تغيير في أنماط التفكير مجرد ديكور سياسي وإداري.
لقد علمتنا تجارب الأمم الناجحة أن التقدم يبدأ حين تتصالح المجتمعات مع الحقيقة، مهما كانت مؤلمة، وحين يصبح النقد وسيلة للإصلاح لا جريمة، وحين تُقاس قيمة الأفكار بجدواها لا بأسماء أصحابها.
أما المجتمعات التي تستبدل الحقيقة بالتصفيق، والمعرفة بالشعارات، والكفاءة بالولاء، فإنها تبني أوهامها بيديها، ثم تتساءل بعد ذلك عن أسباب التعثر.
إن العقل ليس امتلاك الإجابات النهائية، بل امتلاك الشجاعة لطرح الأسئلة الصحيحة. والنهضة لا تبدأ حين نعلن أننا أفضل من الآخرين، بل حين نعترف بما ينقصنا ونعمل على إصلاحه.
يبقى السؤال معلقاً فوق رؤوسنا جميعاً:
هل ما زلنا نعيش في عالم يحاكم الأفكار بمعايير العقل، أم أننا أصبحنا نعيش في واقع يضطر فيه العقلاء إلى إثبات سلامة عقولهم كل يوم؟
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم