الخوالدة يكتب: الاستقلال… ذكرى راسخة ومواطنة صالحة

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 6497
 الخوالدة يكتب: الاستقلال… ذكرى راسخة ومواطنة صالحة
د. زيد إحسان الخوالدة

د. زيد إحسان الخوالدة

يمثل الاستقلال الأردني، الذي أُعلن في الخامس والعشرين من أيار عام 1946، محطة تاريخية مفصلية انتقل فيها الأردن من مرحلة الإمارة والانتداب إلى الدولة المستقلة ذات السيادة بقيادة الملك المؤسس عبدالله الأول بن الحسين. ومنذ ذلك التاريخ، لم يكن الاستقلال مجرد حدث سياسي عابر، بل بداية لمسار طويل من بناء مؤسسات الدولة وترسيخ الهوية الوطنية وتعزيز فكرة الاستقرار في منطقة لم تعرف الهدوء طويلًا.

وعلى امتداد العقود الماضية، واجه الأردن تحديات لم تكن سهلة؛ حروبًا إقليمية، وأزمات اقتصادية، وموجات لجوء، وضغوطًا سياسية وأمنية، وصولًا إلى مرحلة الإرهاب والفوضى التي ضربت كثيرًا من دول المنطقة. ومع ذلك، بقيت الدولة الأردنية محافظة على تماسكها واستمرارية مؤسساتها، وهو أمر لا يمكن قراءته بعاطفة فقط، بل بفهم عميق لطبيعة الدولة الأردنية القائمة على الاعتدال والتوازن والقدرة على إدارة الأزمات بعقلانية.

وفي الوقت الذي كانت فيه بعض الدول تتآكل من الداخل تحت ضغط الانقسام أو التطرف أو انهيار الثقة بالمؤسسات، بقي الأردن يحافظ على حدٍّ معقول من الاستقرار، رغم محدودية الموارد والضغوط الاقتصادية التي يشعر بها المواطن يوميًا، من ارتفاع تكاليف المعيشة، والبطالة، وصعوبة الظروف على كثير من الشباب والأسر.

وربما هنا تحديدًا تتجلى قيمة المواطنة الصالحة؛ فالوطنية ليست مجرد احتفال أو عبارات عاطفية، بل وعيٌ يدرك أن بناء الدولة عملية طويلة تحتاج إلى صبر وعمل وثقة متبادلة بين المجتمع والدولة. فالمعلم الذي يؤدي رسالته بإخلاص، والجندي الذي يحرس الحدود، والطبيب، والعامل، والموظف، والشاب الذي يسعى لتطوير نفسه بدل الانجرار نحو الإحباط والكراهية… جميعهم شركاء حقيقيون في حماية الاستقلال واستمراره.

لقد حملت الزيارات الميدانية لجلالة الملك عبدالله الثاني، سواء إلى المحافظات أو المصانع أو المدارس أو دور العبادة أو المشاريع التنموية، رسائل تتجاوز البعد البروتوكولي؛ فهي تعكس فلسفة تقوم على أن الدولة لا تُدار من خلف المكاتب فقط، بل من خلال الحضور المباشر بين الناس، والاستماع لتفاصيل الواقع اليومي، ومتابعة احتياجات المواطنين والتحديات التي تواجههم.

كما أن الحديث عن التحديث السياسي والاقتصادي والإداري والإعلامي لا ينبغي أن يبقى مجرد مصطلحات عامة، بل مسارًا حقيقيًا ينعكس على حياة الناس وفرص الشباب وجودة الخدمات وثقة المواطن بمؤسسات الدولة. فالشباب اليوم مهتمون بالخطاب الوطني وترجمته من خلال تعزيز الفرص والعدالة والقدرة على بناء مستقبل مستقر داخل وطنهم.

وفي عالم أصبح الإعلام فيه سلاحًا مؤثرًا في تشكيل الوعي، تبرز الحاجة إلى خطاب وطني عقلاني ومتوازن، يحافظ على الثقة بالدولة دون أن ينكر وجود التحديات، ويشجع على النقد المسؤول والإصلاح، بعيدًا عن خطاب الفوضى أو جلد الذات أو الانفعال غير المنتج.

إن قوة الأردن لم تكن يومًا في الإمكانات المادية فقط، بل في تماسكه الداخلي، واعتداله، ووعي شعبه، والتفافه حول قيادته الهاشمية التي استطاعت عبر عقود أن تحافظ على استقرار الدولة وسط محيط شديد الاضطراب.

وفي يوم الاستقلال، تبقى الوطنية الحقيقية أن نحافظ على الدولة ومؤسساتها، وأن نعمل بإخلاص، وأن نربي الأجيال على الوعي والانتماء والمسؤولية، لأن الاستقلال ليس ذكرى سنوية فقط، بل مشروع وطني مستمر تُبنيه العقول الواعية والسواعد المخلصة.

حمى الله الأردن قيادةً وشعبًا وجيشًا وأجهزة أمنية، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار والوعي.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم