حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
انت الزائر رقم: 8418108 السبت ,23 سبتمبر, 2017 م يوجد الآن عدد (4870) زائر
'
طباعة
  • التعليقات: 0
  • المشاهدات: 25183

ضربية دخل برسم الثّقة

ضربية دخل برسم الثّقة

ضربية دخل برسم الثّقة

11-09-2017 03:34 PM

تعديل حجم الخط:

بقلم : سيف الله حسين الرواشدة
إنّ ما يجري اليوم في الأردن من جدلٍ حول ضربية الدّخل الجديدة غير واضحة المعالم، يعكس أزمة الثّقة بين الحكومة و المجتمع، و قد يلمح إلى خفوت صوت النّخبة المثقفة القادرة على ضبط بوصلة النّاس و توجيههم بإيصال المعلومة السّليمة من دون تصيّد أو استغلال أو بحث عن مجدِ و شهرة معارضة المظلوميّة ناهيك عن تقديم حلّ أو نموذجٍ بديل.
و الضّريبة تحت أيّ مسمّى، تخبر عن مظاهر اقتصاد الدولة و فسلفته و توجهاته، ولها تأثير اجتماعي لا يستهان به، أمّا صياغة قانونها و الطّبقات المستهدفة منها و آليات تحصيلها، فالعملية حاذقة جدًا اللازم أن يُرجى فيها العدل و الحزم و المنفعة العامّة.
فالضّريبة في المطلق العام هي أداة لإعادة توزيع الثّروة داخل المجتمع، لضمان حدٍّ مقبولٍ من العدالة الاجتماعية. حسب تعاريف متون الاقتصاد، و في الدّول النّامية قد يظهر هذا في توفير الخدمات الصحيّة و الاجتماعيّة و محاربة البطالة و المحافظة على مستوى دخلٍ مقبول، و الرّفع من كفاءة الهياكل الصّناعية و الإنتاجية للإقتصاد الوطني. و هي أيضًا من أهمّ روافد الخزينة للدّولة الحديثة بمعدلٍ يساوي 45% من الدّخل القومي و يُعزى هذا الرّقم إلى ارتفاع دخل الفرد و اعتماد هذي الإقتصاديات على الصّناعة و قدرتها العالية على الإنتاج.
و من هنا نستنتج أنّ علة الضّريبة و مسببها توفّر الخدمات لا التّمثيل النّيابي، والواجب أن يؤدّي الغنيّ مقدار ضريبةٍ أكبر ممّا يؤدّيها الفقير، فإذا ربطنا الضّريبة في التّمثيل لزم أن يكون تمثيل الغنيّ و تأثيره أعظمَ من المتاح للفقير و هذا يتنافى مع الدّيموقراطية و المساواة، و أنا هنا لا أقلل من أهميّة التّمثيل النّيابي و وجوب حفظ هذا الحق، لكن نقدم تعليل وجود الضّريبة على ما نظنّ أنّه الحق.
و ما سبق فقد ينطبقُ على ضريبة الدّخل –إذا طُبقت حسب رؤيةٍ عادلةٍ و آلياتٍ صحيحة- و ليس على ضريبة الميبعات مثلًا، فالأخيرة تدفعها جميع مكوّنات المجتمع بحصص مطلقة متساويةٍ تقريبًا، و لا تفرٌق بين مقدرة الشّخوص الاقتصادية و يظهر فيها تمرير العبء الضريبي جليًّا، فالتّاجر مثلاً هو من يدفعها مباشرةً إلى الخزينة إلا أنهّ يمررها إلى المشتري بإضافتها على قيمة البضائع، و بهذا فالطّبقة الوسطى و الفقراء من يتحمّلون العبء الأكبر منها فالـ 16% المفروضة قد تشكّل 10% من دخل أحد أفراد الطّبقة الوسطى على فرض أنّه 750 دينار شهريًا، و لا تزيد عن 2% من دخل من يحصل على 3000 دينار شهريًا. و هذا لا يتماشى مع مبادئ العدل المجتمعيّ و إعادة توزيع الثّروات داخل المجتمع.
أمّا ضريبة الدّخل إذا وُزعَت بشكلٍ تصاعديٍّ عامودي على مستويات الدّخول، و أعفى منها من يكفي شقّ نفسه فقط (و أخذت التّداعيات الإجتماعية بعين الحسبان) تكون قد حقّقت الغاية المرجوّة منها و هذا يحتاج بدايةً إلى تحديد متوسّط الدّخل الملائم للحياة الكريمة للأسرة الأردنيّة وإعفائه و من ثمّ التّدرج فيما هو فوق هذا المتوسّط بنسبٍ مدروسةٍ لا ترهق النّاس و لا تفقد قيمة مدخول هذه الضّريبة للخزينة، و من ثمّ وضع آلياتٍ حازمةٍ لتحصيلها و مراعاة الشّفافية في وجوه مصارف الضّريبة، و أنّ تنحصر في خدمة المجتمع و تنمية اقتصادنا، و يرافق كلّ هذا تخفيض لقيمة ضريبة المبيعات على المنتجات و البضائع الأساسيّة، و رفع قيمتها على الكماليّات، و لا محيد من أن نذكر بحكمة ابن خلدون هنا، أنّ كثرة الضّرائب غير المدروسة قد تؤدّي إلى إضعاف الإقتصاد و قلّة المال لا إلى زيادته.
حقيقةً أنا لا أعتقد أن مشكلتنا مع الضّريبة بعينها، فنحن نؤدّي عشرات الضّرائب و الرّسوم الجمركيّة و غيرها من دون شكوى، و نقدر أيضًا وضع موازنتنا المرهونة بالمنح و المساعدات التي قد تُلقي بظلالها على سياساتنا و صنّاع قرارنا، لكنّ أزمتنا الحقيقيّة هي مع الحكومة و جدّيتها في الإصلاح و العمل فالضّريبة قد تساعد في رتق فتق العجز العام لكنّ مراقبة النّفقات و أولويّاتها و التقشّف الواجب سيُساعد أيضًا، و الحكمة في جلب الاستثمارات الخارجيّة و تشجيع الدّاخلي منها سيُساعد أيضًا -و جلّ ما أحرزته حكوماتنا في هذا المجال خصوصًا في العشر سنوات الأخيرة هو تقصير فادح على أقلّ الأوصاف، فترتيبنا لعام 2006 حسب دراسة ' سهولة ممارسة الأعمال ' كان 76 أما لعامي 2016-2017 حسب نفس الدّراسة فهو 119 من أصل 190- أمّا الشّفافية ومدّ يد الثّقة للنّاس فقد تُغني أكثر في تقليل العجز العام.
ختامًا، عند الحديث عن الضّريبة لابدّ من الحديث عن ظاهرة التهرّب الضريبي و انعدام أيّ شعورٍ بالذّنب تجاه هذا الفعل، و عدم تطوّع أغلب النّاس للدّفع إلا عند الضّرورة، و الصّخب الحاصل عند الحديث عنها، مع أنّ غيرنا من الشّعوب قد ينظر لها كضرورة تصبّ في صالحه و إلى تأديتها على أنّه واجب و شرف، و السّؤال هنا ليس للناس بقدر ما هو للحكومات. فالأردني يحبّ وطنه جدًا لا مزاودة في هذا، و يقدّم الغالي و الرّخيص له و الشّواهد كثيرة، و للمجتمع بشكلٍ عام ضمير جمعي سليم يدعم منظومة أخلاقيّة حميدة يراعيها الأردنيون في العموم، لكنّ الخلل هنا في انفصام هذا الضّمير النّاتج من فقدان ثقتنا في أنّ الحكومة تعمل لخدمة الصّالح العام الذي لا نشعر أنّه يتقاطع بشكلٍ واقعيٍّ من صالح الفرد الخاص، و هنا البلاء. فهذا لا تصلحه قوانين الضّريبة و نسبها بل يُجبر كسره حكومة تُحسِن التّعامل مع المجتمع كاسبةً لثقته، لتجده في صفّها وقت الحاجة، كما الأردنيون في صفّ وطنهم و دولتهم دائمًا.



طباعة
  • التعليقات: 0
  • المشاهدات: 25183

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم